حبل النجاة الجديد للمتوقعين من الرؤساء الامريكيين بان يخضعوا حكومات اسرائيل لارادتهم هو “النهج التجاري” المنسوب لدونالد ترامب. وكما اعتاد طوال حياته في عالم البزنس هكذا سيعرض هنا على الطرفين “ديل”، صفقة، وكونه عديم الصبر وقصير النفس، لن يدع نتنياهو يتملص منها.
خطأ، سيدي الرئيس، بالذات من ناحية تجارية فان صفقة سلام مع اليهود هي صفقة سيئة جدا للفلسطينيين، لانه مثلما يعيش السعوديون من النفط هكذا يعيش الفلسطينيون من “النزاع″ مع اليهود. فلماذا يتبرع العالم لهم بالمليارات، بينما لا يتبرع حتى بقرش لعرب آخرين يعانون من مظالم أشد؟ فقط لان من يواجهونهم هم اليهود. للاسامي الذي لا يمكنه أن يعرب عن كراهيته علنا، يوفر الفلسطينيون انبوب تصريف للسموم: اليهود كقتلة اطفال مسيحيين خرجوا عن الموضة، ولكن يمكن اتهام الاسرائيليين بقتل اطفال فلسطينيين. اليهود كمستغلين وظالمين – لا، اما الاسرائيليون كسالبي اراضي الفلسطينيين – فنعم، وهذا هو الامر ذاته. لهذه البضاعة يوجد طلب هائل في العالم. واخراجها عن الدورة التجارية في صالح صفقة سلام سيدفع الاقتصاد الفلسطيني الى الانهيار.
وبنبرة أكثر جدية: ثمة اخفاف اساسي في التشبيه بين صفقة تجارية وبين نزاع سياسي – اقليمي. ففي الصفقة التجارية يشتري المعني بضاعة ولا شيء غير ذلك، والبائع – بالمال ليس إلا. اما للصفقة السياسية، بالمقابل فثمة آثار تتجاوز ذلك. مثال متطرف: تشمبرلين عاد في 1938 من ميونخ، يلوح بورقة وهتف بحماسة “عندي توقيعه!”. وكان هذا توقيع هتلر على معاهدة عدم اعتداء، “السلام في عصرنا” مقابل انتزاع اقليم السودات من تشيكوسلوفاكيا.
اعتقد تشمبرلين بانه حقق صفقة. ولكنه اخطأ بشدة لان هتلر كان السودات له مجرد وسيلة لتصفية الدولة التشيكوسلوفاكية في طريقه لاحتلال العالم، مثلما كتب واعلن على الملأ. هكذا الفلسطينيون ايضا لا يخفون حلمهم لوضع حد لدولة إسرائيل. فهي “الكيان الصهيوني” ومن يسلمهم جبال يهودا والسامرة وهو يعرف ذلك فانه يوقع صفقة على موته. ترامب هو الاخر يفهم هذا جيدا، ولهذا فقد انتقد سلفه اوباما بشدة، على نهجه التبسيطي – الاستفزازي تجاه الايرانيين، الاسد وكوريا الشمالية. اذا ما عرض علينا اساليب اوباما سنسأله لماذا لا يعرض صفقات على آيات الله من طهران او على الاسد.
السطر الاخير، ليس كل شيء بضاعة في السوق، وليس حكم العقارات في منهاتن كحكم ارض القدس: هناك سوق الاراضي الاكبر في العالم، وهنا التعبير الاعلى للقيم المطلقة التي شحنتها الروحانية غير قابلة للوزن والقياس، الشراء والبيع. وعليه: نو ديل، سيدي الرئيس. والقدس هي فقط خلاصة جوهر “البلاد المقدسة” كلها، وكل من حاول الاتجار بها احرق اصابعه.
وبقشرة جوز: الاف السنين كان اليهود مشتتون في كل ارجاء العالم. ما ابقاهم معا كان الامل في العودة ذات يوم الى القدس والى بلاد اسرائيل. وما ان جاءوا اخيرا بعد كارثة فظيعة وحروب لا تحصى، فهل من المنطق أن الان بالذات سيتنازلون عن هدفهم المنشود مقابل “ديل” ما؟ ألا تتصور، فخامة الرئيس ان تقترح على البريطانيين عقد ديل على جبل طارق، الذي تدعي اسبانيا بانه لها، او على جزر فوكلند، حيث بعثت بالجنود الى مسافة الاف الاميال لاحتلالها مجددا من ايدي الارجنتينيين. كما أنك لن تهين الصين بعرض ديل على الدلاي- لاما على التبت، او الهنود في صفقة على كشمير.
لم يتبقَ سوى أرنب تجارب واحد لتجربة صفقة رئاسية عليها، وهذه هي نحن. لماذا؟