جميل فتحي الهمامي: النقد: مثقّف ناقد أم ناقد مثقّف؟
Share
جميل فتحي الهمامي
يجمع أغلب الأدباء و المفكّرين اليوم بعبارة “آدموف” الآن وهنا، إلى أنّ غياب مؤسسة النقد قد فتح الباب و ربّما النوافذ أيضا أمام استسهال عملية الكتابة و صار الولوج إلى عالم الشعر و السرد لا يحتاج لأكثر من ورقة و قلم. إنّ الفعل النقدي يمثّل رقابة معنوية تميز الغثّ من السمين و تضبط الرؤية المعرفية داخل وخارج النتاج الأدبي. و في معرض حديثنا عن النقد لا يمكننا تجاوز هذا السؤال الذي يطرح نفسه خارج حدود المعركة الفكرية:
في عملية النقد نحتاج إلى ناقد مثقّف أم إلى مثقّف ناقد؟
لا شكّ في أنّه ثمّة ما يشبه التطرّف الفكري تمارسه مجموعة من الأوصياء على الساحة الثقافية تحت الشعار الفرعوني ” لا أريكم إلاّ ما أرى “، و على هذا المشجب تُعلّق جميع النتاجات الأدبية التي لم ترق للبعض من هاته الجماعة. و في اعتقادي هذا هو السبب الرئيسي في جمود حركة النقد في العشرية الأخيرة ، فالواقع الأدبي يحتاج إلى ناقد يبصر بعين المثقّف ليفهم التفاصيل عبر لحظة الكتابة و يحتاج أيضا إلى مثقّف يبصر بعين الناقد ليغوص بين السطور و يخرج الدرر الكامنة فيها. إنّ عملية النقد هي القراءة الأولى بعد الكتابة و الكتابة الثانية بعد القراءة. لكن ما نلحظه اليوم هو استئثار المحسوبين على مؤسسة النقد بما يشبه الرواية الرسمية للمؤسسة السياسية حيث يؤوّلون النص على النحو الذّي يترجمه عقلهم الدارس لهذا العمل . و من هذا المنطلق صارت العلاقة بين الكاتب و الناقد علاقة بوليسية بامتياز ، الناقد يلعب دور المتّهم ( بكسر الهاء ) و الكاتب يجد نفسه متّهم (بفتح الهاء). و كثيرا ما تنتهي العلاقة بحالة من النفور و كلّ يرى نفسه مغرّدا خارج السرب. و إذا حاولنا رصد بواكير العلاقة بينهما نذكر حوار ” الأصمعي ” مع الخليفة العبّاسي ” هارون الرشيد ” حيث قال له هذا الأخير : أنت احفظ منّا و نحن أذكى منك. و هذا ما يعجّل بالمواجهة الفكرية بين الكاتب و الناقد فكلّ لا يريد للآخر أن يكون الأذكى و ينهل من الانتيليجنسيا في جرعات أكبر.
في محصّلة قولنا ، من المنطقي جدّا أن يقدّم الطرفان تضحيات فكرية و ايديولوجية لصالح رقيّ الواقع الأدبي بعيد عن اقحام الخطاب العلوي و المتعالي لنفرض مفهوم المثقّف و الناقد وصولا إلى المثقّف الناقد و الناقد المثقّف