سبع ساعات في القدس
الحبيب السالمي
المشهد رائع كما لو أنه ينتمي إلى حلم جميل. باب العامود أو باب دمشق يقوم أمامنا بكل ضخامته وبهائه. ضوء الشمس في تلك الظهيرة قوي ساطع والحجارة البيضاء النبيلة (كم أحببت حجارة فلسطين!) تبدو أكثر نبلا. خطونا ( أنا ورفيقاي في الزيارة) بضع خطوات صوب الباب للتوغل في شوارع المدينة العتيقة وأزقتها. كنت في حالة انتشاء وانبهار بما أشاهد. منذ أن غادرنا رام الله وأنا أنتظر هذه اللحظات الأولى التي سأطأ فيها بقدمي أرض القــــــدس وأستنشـــــــق هواءها.
تذكرت أنه كان لنا، نحن المغاربة (بالمعني القديم للكلمة أي سكان كل بلدان المغرب العربي) في الجزء الشرقي من المدينة، حيّ اسمه حيّ أو حارّة المغاربة (احتله الجيش الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 وتم تدميره وتسويته بالأرض ليصبح ساحة عمومية أمام حائط المبكى). تذكرت أيضا أن لنا في المسجد الأقصى بابا كان يعبره الوافدون من المغرب العربي اسمه (باب المغاربة) ورحت أتخيل قوافل الحجاج الذين كانوا يسافرون مــن موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى مكة لأداء فريضة الحج. وفي طريق عودتهم يعرجون على بلاد الشام لزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى ورؤية مسرى الرسول. إلا أن هذا الإحساس بالانتشاء تناقص بغتة. ففيما كنا نقترب من الباب لعبوره وقعت عيناي على مشهد صادم ومؤلم يتناقض تماما مع المشهد الأول الرائع: خمسة جنود إسرائيليين منتصبين بالقـرب من الباب يراقبون حركة الدخول والخروج. وفيما بعد انتبهت إلى وجود مجموعة أخرى من الجنود على بعد بضع خطوات. لقد سبق أن رأيت جنودا إسرائيليين في طريقنا إلى رام الله بعد دخولنا فلسطين من معبر الملك حسين، لكن لأول مرة في حياتي أقترب منهم إلى هذا الحد. ولم تمنعني هذه الصدمة من أن ألاحظ أن هناك مفارقة عجيبة في هذا المشهد: كل الجنود مراهقون، بل إن وجوه بعضهم بخدودها المتوردة هي أقرب إلى وجوه أطفال في مدرسة إعدادية منها إلى وجوه رجال. ومع ذلك فهم مدججون بالسلاح.
الطفولة هنا ليست بريئة وجميلة كما تعودنا على ذلك، وإنما هي حاقدة وبشعة وحليفة للموت. وما يفاقم من هذا الاحساس بالألم هو أن هؤلاء المراهقين، الذين ما كنا لنعيرهم أي اهتمام لو كانوا بلا أسلحة، وبلا أزياء عسكرية يأمرون وينهون ويتحكمون في حياة آلاف الفلسطينيين وباستطاعتهم أن يتحولوا في أي لحظة إلى قتلة محترفين. قبل أيام قليلة أطلقوا النار في المكان الذي كنا فيه على طفلة بذريعة أنها هاجمت أحدهم وحاولت طعنه بسكين. لقد قتلوا أبرياء كثيرين من الفلسطينيين. يكفي أن تدخل يدك إلى جيبك حين تقترب منهم كثيرا لكي يطلقوا عليك النار فورا، يقول لي أصدقائي الفلسطينيون. لديهم تعليمات صارمة في ذلك.
لا بد أن يذهب المرء إلى فلسطين ويتجول فيها لكي يدرك حقا حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون. درجنا على نعت غزة بسجن مفتوح، لكننا نكتشف هنا أن فلسطين كلها سجن مفتوح. الحواجز والمعابر والأسلاك الشائكة في كل مكان. لكي ننتقل من رام الله إلى القدس التي لا تفصل بينهما سوى حوالي عشرين كيلومترا كان لا بد أن نمر بحاجز. وكان لا بد أيضا أن ننتقل في منتصف الطريق وقبل عبور الحاجز إلى تاكسي آخر لأنه ممنوع على التاكسي الذي ركبناه في رام الله الذهاب إلى القدس، ولكن حالما توغلنا في المدينة وبدأنا نتجول في أزقتها نسيت الجنود وألفيت نفسي مأخوذا بهذا السحر الذي لا يقاوم، والذي تختلط فيه الحقيقة بالأسطورة وبالتاريخ. في الواقع لا شيء يميز أسواقها وشوارعها عن سوق الحميدية في دمشق أو سوق العطارين حول جامع الزيتونة في تونس مثلا. المحلات التجارية ذاتها. البضاعة المعروضة للبيع ذاتها. وحركة الناس وأصواتهم ذاتها. لكنها القدس.. وهذا وحده كاف لكي يبدو لك كل شيء تراه وتلمسه وتسمعه فيها مختلفاوذا دلالة عميقة ونكهة خاصة.
زرنا بعضا من معالمها التاريخية المشهورة. المسجد الأقصى. قبة الصخرة. بدت لي أجمل في الداخل مما هي في الخارج. كنيسة القيامة.. تجولنا طويلا في شوارعها وأزقتها. التقطنا صورا. تحدثنا قليلا مع بعض المقدسيين. العرب تخلوا عنا. العرب تركونا نواجه الاحتلال وحدنا. يقول أحدهم بمرارة عندما علم أننا كتاب من بلدان عربية. جلسنا في المقاهي والمطاعم. شربنا من مائها وأكلنا من طعامها ومن حلوياتها (بالطبع كنافة جعفر الشهيرة التي بدونها لا تكتمل زيارة القدس). كان الظلام قد بدأ ينتشر عندما توجهنا إلى محطة الباصات للعودة إلى رام الله. الدكاكين بدأت تغلق أبوابها وحركة المارة حولنا تناقصت، وأخذ الصمت يخيم على الأزقة، فجأة ارتفع من مسجد قريب صوت المؤذن ينادي للصلاة. صوت لذيذ مخدر كما لو أنه مقبل من زمن بعيد. الله أكبر.. الله أكبر. اخترقت جسدي ارتعاشة خفيفة. توقفت عن الكلام وأخذت أصغي بكل ما لدي من حواس.
روائي تونسي
