شبيلات شمعة في عاصفة

 


بسام الياسين
{{{ فاصل إعلامي خارج النص : ـ بنادق ابناء الفقراء، الفلاحين، الحراثين، وعيال البادية تحمي الارض والعرض والحدود… تراهم يَقتلون ويُقتلون. لا يتذمرون ابداً…يكتفون باقل القليل ، رغم انهم الاكثر عطاء ومعاناة . ايديهم تشققت وهم قابضون على الزناد على مدار الخدمة.مترفو العاصمة الذين يتوسدون حرير النعمة الحكومية، ذوي الايدي الناعمة،و القبات المنشاة،والبدلات المستوردة،لا ينفكون عن الشكوى، تجدهم يتعاركون كالدببة الجائعة للظفر بالسمكة الكبيرة لابنائهم المدللين.تخيلوا الهوة شاسعة بين الوطنيين و الوطنجية لكن المصابين بالعمى لا يرون الا مصالحهم .حينما تموت العدالة تترعرع على قبرها الواسطة.فتثمر غضباً شعبياً على الحكومة ونقمة على الدولة. تُرى متى يأخذ كل ذي حق حقه ؟!.والى متى يبقى المطحونون يقفون في طابور الخدمة المدنية الطويل، بانتظار دورهم الذي ربما ياتي بعد ان تشيب رؤوسهم او لا يأتي لانهم صاروا في ذمة الله.نسأل بالونات عمان المنفوخة بالغازات التي تحلق فوق رؤوسنا كمناطيد النزهة التي تتفرج علينا من علٍ،ماذا فعلتم للوطن حتى تمّنوا عليه ؟!…لا تمنوا عليه بل هو صاحب المَنَّ عليكم .اعطاكم كل شيء ولم تعطوه شيء. ….بالامس كنتم على الحصيرة ،فمن اين جئتم اليوم بهذه الامكانيات الضخمة.لولا الوطن لكنتم اصفاراً خارج الحسبة،ولولاكم لكان الوطن في افضل حالاته….فو اخجلتاه منكم كيف ستقابلون ربكم وقد خنتم الامانة وخذلتم الامة ؟! }}}.
*** شبيلات ظاهرة سياسية متعددة الجوانب.تميز عن غيره انه صناعة ذاته واجتهاده.لم تنفخه وظيفة،ولا هو من ركاب حافلة المحسوبية العاملة على خط الرابع،ناهيك انه لم يتكأ على ارث اسلافه بل مشى بخطوات واثقة لتحقيق طموحاته،وهندستها على اسس علمية… شعبيته فرضها بكاريزما شخصيته ونقاء تاريخه وانحيازه المطلق لصف الناس..طبيعته الفوارة بالحق،الجياشة بالثورة على الباطل،هي اهم مؤهلاته. من علامته الفارقة.وقوفه مع الحق الذي لم يدع له صديقاً.اصطدم بقوى الشد العكسية و الظلامية رسمية و حزبية على السواء..ابرز سماته انه لا يعرف المهادنة او المداهنة على النقيض من الوصوليين ادعياء المعارضة لخطف الاضواء من اجل قطف الغنيمة.
” طلق بالثلاثة ” ركاب موجة البراغماتية الكاذبة.هم ليسوا براغماتيين بالمعنى العلمي بل انتهازيون بالمعنى الحرفي.ما ان يحط واحدهم رحاله في الوزارة / المؤسسة / الدائرة،ويعتلي سرج الكرسي ذي العجلات الدوارة حتى يصبح كالعجينة الطرية طيعاً،مطيعاً،مطواعاً.ينسى نضاله ويبيع افكاره التي يعتبرها ” كراكيب ” مستعملة في سوق الخردة باسعار خسيسة. ابو فرحان مختلف 380 درجة… حصانته نابعة من عقيدة راسخة، ايمان لا يشوبه شائبة. ذخيرة معرفية موسوعية. جهازه المناعي عصي على الاختراق،لذلك حافظ على طهارته الذاتية. مخضرم من جيل طاهر نظيف يحلم بالتغيير المتدرج الواعي والتنمية الذاتية المستدامة،كما ان تركيبته السياسية والثقافية فرضت عليه الطلاق الفكري مع اغلب تيارات الموجودة على الساحة،خاصة بعد ان تحول شخوصها الى بيادق تتحرك بسهولة،و احزابها الى دكاكين سياسية بضاعتها المزجاة اما رديئة او فاسدة بالمطلق تُسمم من يتناولها،لهذا آثر الرهان على الاجيال الصاعدة.
رغم صوفيته الشفافة،وحلمه ككل صوفي بالارتقاء الى اعلى مراتب النورانية تقرباً لله نور السموات و الارض الا انه يعيش عالم الواقع حتى ارنبة انفه،لذلك تجده ثابتاً كصخرة متجذرة لا متحولاً كالماء يتشكل حسب الاناء الذي يسكنه،ولا متلوناً كالحرباء التي تغير جلدها في كل مناسبة.دراسته و إشتغاله بالهندسة ،وتعامله مع مختبره العلمي،عزز ادواته وتفكيره المنهجي القائم على البحث العلمي .هذا ما اعطاه مَلَكة التوازن والاستقامة في مسيرته المحسوبة بدقة مهندس يعاين التربة،يقيس المسافة،يوزن الكتلة،يحسب الزمن، يقرأ متغيرات الطقس، يتأكد من عمق الاساس،الارتدادات، قدرة الشد والاحتمال،التمدد والتقلص.لهذا يعرف اين يضع خطواته. فكان مشواره السياسي ناجحاً،و تنبؤاته الإستشرافية صائبة كالمتنبيء الجوي الحاذق الذي يقرأ احوال الطقس وتقلباته وتكون نسبة اخطائه محدودة او معدومة لاستعانته بالتكنولوجيا الحديثة.لا شك ان وفرته المالية اعطته استقلالية، فاصبح سيد نفسه وسيد قراره. لم يعش لنفسه كباقي المترفين الذين رفعوا لافتات ـ اللهم نفسي ـ وانسلخوا عن الناس،إنما تماهى مع الناس و دوزن حياته مع ايقاعاتهم.فاصبحت حياته سجلاً تاريخياً،ومساجلاته الحوارية وكتاباته وثائق عصرية تدين الظلاميين على اختلاف توجهاتهم رسميين و معارضة وتنتصر للمسحوقين الذين التهمت حقوقهم الديناصورات وداستهم الفيلة باقدامها الثقيلة.
رجل تنويري عز نظيرة في زمن الردة. بجدارة هو جدير ان نطلق عليه حامل لواء المعارضة النقية والشعلة المتأججة الكاشفة للوجوه المُقنّعة بالف قناع وقناع.نأى بنفسه عن المناصب الحكومية لانه يحترم نفسه،فالازدواجية علامة فصام الشخصية،اذ لا يمكن ان تكون معارضاً وطبالاً في ذات اللحظة، في حين ان الاغلبية ركضت حتى تقطعت انفاسها من اول اشارة طمعاً بوظيفة، لقب،وجاهة اجتماعية،لكنه انقطع في صومعة المعارضة الايجابية لا المناكفة و السرسرة التي يلجأ لها الانتهازيون لـ ” هبش هبرة “.ديدنه التقرب لله بتقديم ما ينفعهم،وهو العارف ان احب الناس الى الله انفعهم الى عباده.معايشة الشارع،قرآءة نبضه،معرفة ما يتوق اليه الغلابا لاجل مساعدتهم ذروة سعادته.هذه المكانة الشعبية عنده ،افضل الف مرة من كمبارس برتبة وزير لا يعرف لماذا جلبوه ولماذا ركلوه ؟. .
ليث شبيلات لم يكن مُنظّراً،ولا بيدقاً يتحرك بالآلو الآمرة الذين انزلقوا للهاوية وزلت اقدامهم عن جادة الصواب، انما كان ولم يزل معارضاً اميناً.مواقفه الشجاعة جرجرته الى عواقب ظُلم فيها، فدفع لاجلها ضرائب متعددة :ـ الضريبة المضافة،الضريبة التصاعدية،كما اورثه تاريخه عداء كبار المرتزقة، ممن يسيطرون على النفوذ ويهيمنون على الثروة..فتناوشته سهام الافتراءات حتى تكسرت السهامُ على السهامِ،الا انه صمد لنضوج تجربته،نصوع حكمته،سلامة موقفه..
امضى حياته يمشي وحده،حاملاً هموم غيره،ماسكاً بيمناه شمعته في الايام العاصفة من دون ان يفرط بها خوفاً او اغراءً.المعجزة ان ذبالة وهج شمعته بقيت متقدة،ولكي يكسر عزلته التي فرضها على نفسه لما راى من قباحات من حوله،ظل ينفخ في مزماره تراتيله الصوفية،ليسبغ الصفاء على روحه المحلقة في اجوائه الروحانية الفوق البشرية وهي القربى الى الله ومعرفته. . في تلك اللحظات النورانية اتخيله يتأرجح على خيط ضوء وهو يرتل القرآن ترتيلاً حتى تتساقط الاحزان عن اكتافه كما تنهمر دموع عينيه،ليتخفف منها ويعاود طيرانه كطائر النورس التي تكمن متعته بالتحليق فوق البحار الصافية،بعيداً عن قرف وحول الدنيا.
ليث شبيلات دائم التجدد والتجديد،لامتلاكه روحاً متحررة،ذهنية ناقدة،انسانية عالية،حساً رهيفاً.بهذه المواصفات يتسلل الى قلبك دون استئذان، ناهيك انه شفيف الاحساس،طاهر الطوية.يخيل لي ان عالمه زاخر بالاسرار والتفاعلات.هاجسه ان تعود امته الى رشدها لتعود الى سابق مجدها. في كل الاحوال لا تملك الا ان تحترمه لانه ليس تاجر سياسة يتكسب الشعبوية ولا صاحب بقالة حزبية للاسترزاق.ولا يمكن لمنكر ان ينكر ان ابا فرحان شخصية سياسية نادرة، لها حضورها المؤثر، و صاحب كلمة مسموعة لها اثرها في قلوب الناس كافة،على النقيض من ” العلماء الساكتين عن الحق “.الذين باعوا آخرتهم بدنياهم.كلماتهم ترتد عن طبلة الاذن كارتداد الكرة عند ارتطامها بالجدران الصلبة.هؤلاء ارتضوا لانفسهم، ان يكونوا كالنائحة المستأجرة.هنا تزداد قناعتك بالحكمة المحكمة :ـ ان هناك رجالاً خلقوا ليكونوا قادة عظام وهناك رجالاً ولدوا ليكونوا مماسح زفر لموائد اللئام.
مدونة بسام الياسين

قد يعجبك ايضا