الصحف الإسرائيلية – السبت 24-6-2017

على خلفية الاحداث الدراماتيكية في سوريا التي تبدو مثل فقدان السيطرة هناك شبكة من التحالفات والتعاون تعتمد على مبدأ أن عدو عدوي هو صديقي

بقلم: اليكس فيشمان

الفوضى هي فرصة ايضا. كل من يستطيع الاستفادة من الفوضى في سوريا موجود هناك. واسرائيل ايضا تقوم بعصر هذه الليمونة حتى النهاية، وإلا فانهم سيعصرونها.

إن ما نشر في هذا الاسبوع في “وول ستريت جورنال” حول المساعدات التي تقدمها اسرائيل للمتمردين في هضبة الجولان السورية هو كما يبدو طرف جبل الجليد للعملية التي تستمر منذ اكثر من اربع سنوات، منذ وجدت اسرائيل نفسها أمام حدود لا يوجد وراءها سيد. الطريقة الوحيدة لكبح انتشار الفوضى الى داخل اسرائيل هي محاولة بناء شيء يشبه الحزام الامني عن طريق تحالفات محلية مع مجموعات متمردة في الجولان السورية. صحيح أن الامر بدأ كمسألة انسانية لعلاج المصابين في العيادات الميدانية السرية وايصال المياه والغذاء الى الجانب السوري، لكن الامر لم يكن أبدا مسألة اهتمام بالآخرين فقط. دائما كانت هناك مصلحة امنية مشتركة. المتمردون في الجولان – مثل عشرات مجموعات المتمردين في ارجاء سوريا – هم اولا وقبل كل شيء تنظيمات محلية. اللون السياسي والايديولوجي والديني لهذه المجموعات أهميته ثانوية. هدفها هو مواجهة الجيش السوري وحلفاءه والبقاء في مناطق عيشهم.

جزء كبير من مجموعات المتمردين في هضبة الجولان تبنى الايديولوجيا السلفية المتطرفة لجبهة النصرة، وهي نسخة اخرى للقاعدة، وهي عدو لدود ليس فقط للنظام السوري، بل ايضا لايران وحزب الله. وحسب اسرائيل، اللون الديني المتطرف لهؤلاء المتمردين ليس مهما، وما يهمهم هو البقاء، ويمكن الحصول الى ولائهم من خلال الدعم المادي الذي يضمن أمنهم.

يمكن استنتاج أن اسرائيل لا تدقق دائما في حلفائها، طالما انها تحصل على المقابل الامني الملائم. هذا ما يتبين مما نشر في الصحيفة الامريكية المهمة. وحسب وجهة نظر اسرائيل، عدو عدوي هو صديقي. واذا كان مقاتلو جبهة النصرة يحاربون داعش في جنوب هضبة الجولان، والاثنان معا يحاربان حزب الله والجيش السوري، فهذا جيد.

يمكن القول إنه اذا نشأت في اطار المساعدات علاقات شخصية والتزامات بين جهات في اسرائيل وبين متمردين في الجانب السوري من الحدود، فانهم يعرفون في اسرائيل أن هذه العلاقة يمكن أن تتوقف في أي لحظة. مصالح المتمردون ستتغير عند التوصل الى مصالحة بينهم وبين النظام في سوريا، أو سيتم فرض نزع السلاح عليهم بالقوة. في جميع الحالات، مستقبل سكان هضبة الجولان السورية سيتحدد بالاتفاق بين القوى العظمى حول كل سوريا.

المصلحة الاساسية لاسرائيل في علاقتها مع المتمردين هي ابعاد أي تواجد ايراني عن الحدود، أو تواجد حزب الله، وافشال العمليات في هذه المنطقة. رغم أن اسرائيل نجحت الى درجة في كبح محاولات حزب الله السيطرة على شمال هضبة الجولان، إلا أنه ما زال هناك نشاط لهذه المنظمة بالتعاون مع قوة القدس في حرس الثورة الايراني. وبشكل مواز يعمل مئات المقاتلون في حزب الله مع الجيش السوري في اطار محاربة المتمردين في درعا، قرب مثلث الحدود بين اسرائيل والاردن وسوريا. ورغم أن حزب الله غارق في وحل الحرب السورية، فان تواجده في جنوب هضبة الجولان يزيد من الجاهزية في اسرائيل. في نظر اسرائيل، كل يوم تنجح فيه في ابعاد الجهات المعادية عن الحدود، فهذا يعني ان الاستثمار في الحد الادنى في الجولان السوري هو امر مفيد. هذه هي المصلحة الاسرائيلية الواضحة في سوريا، ومن اجل تحقيقها هي مستعدة لاستخدام القوة العسكرية.

احتفالات في طهران

المصلحة الاسرائيلية الثانية من حيث اهميتها، على خلفية الفوضى، تتعلق باستقرار النظام في الاردن. الولايات المتحدة وبريطانيا – واسرائيل ايضا شركاء في هذه التفاهمات – ولن يوفروا أي جهد، بما في ذلك التدخل المباشر من اجل الحفاظ على نظام الملك عبد الله أمام التهديدات التي يشكلها نظام الاسد أو جهات ارهابية في جنوب سوريا. أحد الانجازات الكبيرة لاسرائيل من الفوضى في سوريا هو تعميق المصالح الاستراتيجية المشتركة مع الاردن، والى درجة ما مع السعودية ودول اسلامية سنية اخرى، تعتبر نفسها مهددة من قبل الخط الشيعي الذي تقوده ايران.

 للوهلة الاولى، يبدو أن لاسرائيل مصلحة مباشرة في محاربة داعش. ومقاتلو داعش في سيناء هم عمليا امتداد لداعش في سوريا، ويوجد للتنظيم سيطرة ايضا في جنوب هضبة الجولان. ولكن رغم التهديد فان اسرائيل غير معنية باثارة داعش من اجل القيام بعمليات ضدها، في الوقت الذي لا يعتبر فيه داعش اسرائيل حاليا العدو الاول.

هناك فائدة اخرى تكمن في الفوضى السورية: “في جعبة اسرائيل موارد لها أهمية كبيرة، يمكن الاتجار بها في بورصة المعلومات الدولية. هذه الموارد تحولها الى طرف مطلوب من قبل دول الناتو، مثلا الشراكة مع التحالف الامريكي في سوريا. لدى اسرائيل تجربة تمتد لسبعين سنة بخصوص جمع المعلومات في سوريا. وهذه المعرفة يمكن ترجمتها الى انجازات سياسية. اذا عرفت اسرائيل كيف تستغل ذلك، فهناك فرصة لتحقيق انجازات سياسية وامنية بعيدة المدى.

 رغم وجود عدة مميزات تذكر ببداية العلاقة بين اسرائيل والمسيحيين في جنوب لبنان في نهاية السبعينيات، فان العلاقة مع المتمردين السوريين لا تشبه العلاقة التي نشأت بين اسرائيل وبين جيش لبنان الجنوبي، اسرائيل لا تقوم بتدريبهم ولا تقوم ببناء مواقع عسكرية في المنطقة. التدخل الاسرائيلي يظهر فقط عندما يقوم سلاح الجو أو قذائف الجيش الاسرائيلي بقصف وحدات عسكرية سورية ردا على اطلاق النار من سوريا نحو اسرائيل. نظام الاسد يعتبر هذه الهجمات جزء من المساعدة الاسرائيلية العلنية للمتمردين.

 قبل اندلاع الحرب الاهلية في سوريا بذلت اسرائيل جهدا عسكريا واستخباريا لمنع وصول السلاح من ايران الى حزب الله في لبنان. والفوضى في سوريا فتحت أمام اسرائيل امكانية واسعة للعمل من اجل منع نقل السلاح. الخوف من أن تدخل روسيا سيحد من قدرة هذا الافشال، غير صحيح. ويتبين أن الاعمام في موسكو عمليون جدا. وطالما أن اسرائيل لا تعرض قواتهم للخطر، فمن حقها قصف المواقع التابعة لحلفائهم: سوريا، حزب الله وايران. عندما يشتكي السوريون ترد روسيا عليهم قائلة: أسقطوا بأنفسهم الطائرات الاسرائيلية، هذا ليس شأننا. وقد حاول السوريون القيام بذلك قبل بضعة اشهر عندما قاموا باطلاق صاروخ على طائرات سلاح الجو. ولكنهم فهموا أن هذا غير مجدٍ.

في بداية الشهر ظهر في التلفزيون الروسي رئيس قسم العملية في هيئة الاركان الروسية، الجنرال سرجيه روتسكوي، الذي أعلن أن الحرب الاهلية في سوريا اقتربت من نهايتها. وبالنسبة لروسيا فقد حصلت على ما تريد: موقع لسلاح الجو وموقع بحري في سوريا لمدة 49 سنة. وهم يعرفون أن الحرب في غربي سوريا توقفت عمليا، والاسد سيطر على المدن الخمسة الرئيسية واستقر نظامه، وبقي فقط استكمال المحادثات من اجل التوصل الى الاتفاق الدائم برئاسة موسكو. في نظر روسيا فان الحياة في سوريا هي مثلما قال وزير الدفاع افيغدور ليبرمان: كل شيء عسل.

إلا أنه منذ تحدث الجنرال روتسكوي للأمة الروسية حول انتهاء الحرب الاهلية في سوريا، أسقط التحالف الامريكي طائرتين سوريتين – طائرة حربية وطائرة بدون طيار. وردا على ذلك اعلنت روسيا عن وقف التنسيق الجوي مع الولايات المتحدة، وهددت باسقاط كل طائرة امريكية تقوم بالتحليق غرب نهر الفرات. لقد قصف الامريكيون ثلاث مرات قوافل للجيش السوري والمليشيات الموالية له قرب مثلث الحدود سوريا – الاردن – العراق. وايران من ناحيتها قامت باطلاق صواريخ ارض – ارض على اهداف لداعش في دير الزور. وهذا الاطلاق خلق انطباع جيد في اوساط السكان في ايران، لكنه خلف انطباعا شاحبا جدا على المنطقة.

حرج بوتين

جميع هذه التطورات التي حدثت في أقل من اسبوع جعلت التوتر بين روسيا والولايات المتحدة يصل الى الذروة غير المسبوقة منذ سنوات كثيرة. في يوم الثلاثاء الماضي قامت روسيا بنقل ساحة المناوشات الى بحر البلطيق: طائرة حربية روسية ازعجت طائرة تجسس امريكية ولاحقتها فوق المياه الدولية. في اليوم التالي لاحقت طائرة حربية امريكية طائرة وزير الدفاع الروسي، الجنرال سرجيه شولغو، فوق بحر البلطيق. والطائرة الحربية الروسية التي رافقت الوزير هددت باطلاق النار على الطائرة الامريكية، وهكذا انتهت الحادثة.

كان وزير الدفاع الروسي على صلة بحادثة محرجة اخرى تتعلق بسوريا. في الحلقة التي تم عرضها في هذا الاسبوع في برنامج “مقابلات بوتين”، وهي مقابلات اجراها الرئيس الروسي مع المخرج الامريكي اوليفر ستون، تفاخر بوتين بقدرة سلاح الجو الروسي، وعرض من خلال هاتفه المحمول فيلم قصير عن تدمير اهداف في سوريا تم تصويره من داخل طائرة حربية هجومية. وخلال بضع دقائق تبين في الشبكات الاجتماعية أن الصور هي من فيلم تم تصويره في العام 2009، وهو في افغانستان وليس في سوريا، وأن الطائرة ليست طائرة روسية بل امريكية، وأن الحوار بين الطيارين المنفعلين تم أخذه من حوار طيارين اوكرانيين. هذه القصة وصلت بشكل سريع الى وسائل الاعلام الروسية، وتبين بسرعة أن الفيلم أعطي لبوتين من مكتب وزير الدفاع. ويمكن القول إن هذه القصة تعتبر مثالا آخر على المعلومات المضللة الروسية في الموضوع السوري. فروسيا تقوم بالمبالغة في النجاحات، وتطعم العالم ازمات مفتعلة تخدم مصالحها واحيانا تسقط هي في الشرك الذي تضعه.

في البنتاغون يقولون إن ردود روسيا مبالغ فيها بشكل متعمد، ولا يعرفون لماذا أثارت روسيا عاصفة حول اسقاط الطائرة بدون طيار والطائرة الحربية السورية. إن هذه ليست الطائرة الاولى بدون طيار التي يتم اسقاطها في سوريا، ويقولون في البنتاغون إن الطائرة الحربية حلقت بطريقة تهدد الجنود الامريكيين وحلفائهم الذين يقاتلون في الرقة السورية ضد داعش، لهذا تم اسقاطها.

الطرفان يتصنعان السذاجة. جميع هذه التطورات هي نتيجة صراع بين روسيا والولايات المتحدة حول اماكن التأثير في سوريا، وهذه هي المرحلة التي وصلت اليها الحرب الاهلية الآن. وحتى قبل بضعة اشهر كان هناك تقسيم لمناطق التأثير في سوريا، وكانت هذه المناطق واضحة تماما: روسيا ركزت على استقرار النظام السوري واقامة مواقعها الدائمة في سوريا، لذلك ركز الاهتمام العسكري على غرب سوريا. والآن يحاولون التوصل الى وقف لاطلاق النار مع المتمردين، والقتال في غرب الدولة في حالة تراجع. الامريكيون دخلوا الى سوريا لمحاربة داعش الذي كانت الرقة معقله. الجهود حول الرقة دفعت بعض مقاتلي داعش باتجاه عمق الفرات – مدن مثل دير الزور، ميادين، البوكمال وتدمر في شرقي سوريا. وركز الامريكيون جهودهم في شرق الدولة، والاحتكاك بين القوتين العظميين كان منخفضا. وعندما شعر الاسد أن أمامه فرصة لتوحيد سوريا، توجه نحو الشرق بمساعدة روسيا وايران. وفجأة اصبح شرق سوريا مكتظا، ومستوى الاحتكاك زاد، وركز الامريكيون جهدهم في منطقة تنف على الحدود بين سوريا والعراق والاردن، وهذا مسار هام من اجل الوصول الى تجمعات داعش في المناطق الجديدة. في اطار العودة الى الشرق، يحاول الاسد بمساعدة ايران، خلق تواصل جغرافي بين ايران والعراق وسوريا ولبنان والحدود مع اسرائيل. إلا أن الامريكيين قالوا حينها إنهم لن يسمحوا لأي أحد بعبور المدى الامني الذي يبعد 55 كم عن قواتهم. السوريون اقتربوا الى مدى 30 كم ونجحوا في السيطرة على موقع على الحدود بين العراق وسوريا، الامر الذي يزعج امريكا وحلفائها. هكذا بدأ التصعيد. الروس الذين حققوا معظم اهدافهم في سوريا وجدوا انفسهم في هذه المواجهة، وهم يحاولون الآن النزول عن الشجرة.

لم يمر 48 ساعة على تهديد وزارة الدفاع الروسية بأنها لن تسمح بتحليق طائرات التحالف الغربي باتجاه الفرات، حتى تغيرت النغمة وتراجعت روسيا عن التهديد وأعلنت بأنها تنتظر نتائج التحقيق الامريكي الداخلي حول اسقاط الطائرة السورية. ويزعم الامريكيون انهم اتصلوا مع الروس من اجل ابعاد الطائرة قبل اسقاطها. والروس ينفون ذلك. وهم يحاولون الآن كتابة تقرير يرضي الطرفين.

بالنسبة لاسرائيل ومصالحها فان الفوضى في شرق سوريا هي فرصة لتشويش خطة انشاء ممر ايراني بري، من طهران الى بيروت. وفي الوقت الحالي يعمل الامريكيون على افشال اقامة هذا الممر. واذا تم انشاء هذا الممر فيمكن القول إن قوافل السلاح التي ستمر فيه ستكون هدفا شرعيا.

يديعوت

قد يعجبك ايضا