مثقفو السلطة من الحطيئة لشعبولا


بسام الياسين
في عصر التنوير و لإجل التنوير،يٌعتمدُ العقلُ في التفكير والفهم العميق للاحداث.في عهود التضليل والتجهيل يغيب العقل،تختفي المعرفة،تتلاشى الثقافة لتحّل مكانها الانفعالات وممارسة جميع الموبقات تحت ذريعة المصلحة العامة.الدول العربية خبيرة في فن خلق الازمات لبعضها. هذه السقطة الساقطة، نقلتنا الى وراء الوراء.تخلت عن البناء الى الهدم منتهجة شريعة الغاب،حتى لم تبق بقعة خضراء الا احرقتها، ولا زاوية قائمة وصالحة للاقامة الا هدمتها.ما يؤسف له،اسقاطها كلمات السلم الاهلي، التنمية،الحرية،الديمقراطية من قاموسها،لتحل مكانها ابشع ما في اللغة مصطلحات:ـ الاستبداد السياسي، الإرهاب الفكري ،الإفلاس القيمي والمادي،الإقتتال الداخلي،تنمّر الاقوى عللا الاضعف حتى وصل الدم للركب في بعض اقطارنا.” اسرائيل ” عدونا التاريخي تجلس في حضننا مكرمة، ترتع في ارضا،تستبيح بحارنا، تعتلي سماءنا. تنتف لحانا،تحلق شواربنا دون ان يجرؤ احدٌ ان ينبس معها ببنت شفة،بل الجميع يطلب ودها سراً وعلانية.
بعد رحيل الاستعمار ،كان حلم الشعوب العربية،ان يحكمها احرارها، الذين ضحوا وصنعوا مجد بلادهم.المفارقة انهم إستبعدوا وانفردت بالسلطة نُخب نفعية،اسقطت التطلعات الشعبية واستدارت لتحقيق مصالحها.اخذت تتداول السلطة بينها بعد ان فشلت الاحزاب وخرجت من اللعبة السياسية. انفردت النخب بمقاليد السلطة وتغلغلت في مفاصل الدولة.اصبحت جزءاً من منظومة الفساد التي أُبتلينا بها.الغالبية المغلوب على امرها،تكورت على ذاتها.بالصمت اشترت سلامتها من غير قناعة بسياسات دولها وتوجهات حكامها.فكانت هزائمنا المتتالية الاقتصادية ،التنموية،التعليمية والعسكرية التي لم تأت من تحت قبعات العسكر المعفرة بتراب الوطن و المضمخة بدم البطولة بل جاءت من تحت ” صلعات ” الساسة المسكونة بالخيانة،لان المثقفين كما عرفهم وعرفهّم لينين زعيم ثورة البلاشفة هم الاقدر على الخيانة لانهم الاقدر على تبريرها.نصيحتنا لكم :ـ ان لا تقرؤوا ما يكتبون،ولا تسمعوا الى ما يتحدثون بل انظروا ماذا يفعلون و اي درب يسلكون عندها ستصابون بالخيبة،لكنكم حينما تعرفون سيرهم الذاتية ستشعرون بالصدمة.
نعيش اليوم ازمات مدلهمة.تُرسم لنا نهائيات فجائعية تحت انظار الحُكام وغياب الشعوب غياباً قسرياً.ادخلونا شبكة مظلمة لا نستطيع الخروج منها كـ “سمكة تونة ” وقعت في فخ صيادين مهرة،سيجري تقطيعها لشيها على نار هادئة وإلتهامها. تاريخنا المعاصر، يًكتبُ بدم شعوب فقدت زمام امرها.الذبح صار برنامجها اليومي .دم مباح رخيص،لو كان يجري بحق حيوانات متوحشة لثارت ثائرة المجتمع الدولي،لكنه ما دام عربياً فلا قيمة له.من هنا بدأت الكثرة الكاثرة تشعران خشبة خلاصها بالخلاص الفردي او الهجرة بقوارب الموت الى “بلاد بره” .فجهنم الحمرا اهون الف مرة مما هي فية من حرمان وجوع وقهر. بعض المجاميع العرقية، تعمل جاهدة على الانقسام وترى مستقبلها بالشرذمة مع انها عين التهلكة لكنه جنون الانظمة دفع الكل للزاوية الحرجة.
ذروة مشكلاتنا اننا نتجنب مواجهتها عوضاً عن حلها. معضلتنا بعد ان تسلمت الدولة الوطنية مقاليد الحكم من الاستعمار،فشلت في رد الكرامة لضحايا الظلم والبؤس.لم تحقق اقتصاد الكفاية و الرفاه ،نتيجة هيمنة النخب الجشعة على مفاصلها،وبالتالي اصبحت النخب القوة الضاربة والمعطلة للاصلاح. نسجت شبكة علاقات مصلحية و زبونية داخل الدولة،وراحت تقاوم الاصلاح من داخل الدولة حماية لنفسها ولمصالحها. هذه النخب الوصولية لا يعنيها الدفاع عن الدولة،لهذا نجد الترهل والفساد باشكاله المتعددة في كل دائرة،مؤسسة،وزارة نتيجة لإضعاف الجهاز المناعي من لدن هؤلاء.الضعف مطلب نخبوي حيوي للبقاء على ديمومتها،بينما الاحزاب والمعارضة المستقلة تتعامل مع الدولة من خلف حجاب اذ لا مكان لها،لا احد يستمع لها.وهذا سر بقاء الامة في دائرة التبعية.
اسطورة الكوميديا في القرن العشرين شارلي شابلن،ادرك منذ البداية ان مهمته ليست التسلية ومضيعة الوقت، ولا اضحاك الناس على انفسهم والضحك عليهم بل توعيتهم.زرع بذرة المعرفة فيهم.خضهم كعلبة الببسي حتى يفوروا ويثوروا في وجوه جلاديهم.هاجم الرأسمالية،ووقف مع طبقة العمال المعدمة.عادل امام ودريد لحام على النقيض. ضحكوا على الجميع.عندما اصبحوا نجوم شباك،وتهافت الناس عليهم،و بلغت ارصدتهم الملايين استغنوا عن الناس وانحازوا للسلطة.الانكى إطلالة “العظيم شعبولا ” شعبان عبد الرحيم مغنٍ من الدرجة العاشرة،بأغنية جديدة،سيؤرشفها التاريخ لجزالتها ولغتها المبتكرة تقول كلماتها :ـ { خلاص انا هنزل قطر / وأغني كل يوم / عشان تميم إنتهى / وراح يقشر توم }. الحق اقول لكم :ـ حينما تسقط النجومية في احضان الرذيلة، تُطفىءُ الانوار،وتتلاشى الهيبة من كل شيء بهي. هذا ما نعيشه او نتعايش معه من مساخر فنية.
في بداية حملة الاسكندر المقدوني نصحه احد حكمائه :ـ اذا دخلت مدينة فاسأل عن شعرائها و مُغنيها فانهم مرآتها واهم عناوينها.كذلك في عهد المأمون ازدهرت الترجمة،وتألقت الفلسفة،وانتشر الطرب في بغداد.فاشتكى المغنون الاصلاء من دخلاء المهنة.امر الخليفة حينها، بتشكيل لجنة غربلت الاصيل من الدخيل،وفرضت عقوبة الحبس على المتطاولين.عند كتابة هذه المقالة تذكرت ما وقع فيه كبار الفنانين من مباذل خلال الاسابيع الاخيرة.غادة عبد الرزاق تتعرى تحت وطأة الخمرة ،ولما افاقت وجدت صورها بالبكيني منتشرة على المواقع الاخبارية.انكرت الواقعة ثم عادت واعترف انها مريضة نفسياً،تتعالج منذ 22 عاماً.اصالة نصري التي تغني للحب والعروبة و الامومة اكتشفنا انها “شمامة” كوكائين.هذه مسطرة من فنانين عصرنا اللا محترم. تذكرت شاعر ” شعبولا ” والشاعر ” الحطيئة “الذي لم يدع احداً من شره.غلبه طبعه السافل، فهجا امه وزوجته وشتم اباه في قبره.
التحليل النفسي للحطيئة، ان العرب كانت تتفاخر بالانساب لكنه حُرم هذه الميزة.قال عنه ابو فرج الاصبهاني في كتابه الاغاني انه ابن زنا،ناهيك انه قصير القامة،قبيح الخلقة .لذلك نقم على كل من حوله.على الضفة المقابلة، شعراء شامخون بهروا الدنيا باشعارهم،و اذهلوا الطغاة بثبات مواقفهم.الشاعر الاسباني لوركا لم يتوقف عن نشيد قصائد الحرية لحظة مواجهة رصاص الاعدام من مرتزقة الديكتاتور فرانكو. بابلو نيرودا الحائز على جائزة نوبل خاطب جنود المجرم بينوشيه حينما داهموا بيته انه لا يملك سلاحاً بل سلاحه شعره. لم يقتلوه فوراً مثل لوركا حتى لا يصنعوا منه بطلاً بل حقنوه بإبرة سامة توفي بعدها بايام قليلة. الشاعر الانجليزي ” تشيلي ” كان دائم النقد لحكم بلاده الظالم ،فكان مصيره الطرد من جامعته ليبقى معلقاً في الهواء دون مستقبل.عقوبة تعلمتها الاجهزة الامنية العربية ولم تزل تمارسها بحق نشطاء الطلبة.
فضيحة مثقف السلطة العربي،إنقلابه على ذاته.بالامس كان اشد اعداء سلطة بلاده.فجأة باع افكاره وكشف قناعه من اجل وظيفة دسمة وسيارة. صفيق لا يمانع في ارتداء قلنسوة التطبيع بعد ان كال اطنان تهم الخيانة لغيره.كائن تافه.هو واحد من اثنين :ـ اما انه صاحب شخصية مزورة،ركب موجة المعارضة للوصول الى السلطة او انه انتهازي ذكي مارس الانتهازية بحرفية،مستغلاً عذابات اهله و ازمات وطنه لتحقيق مصالحه الشخصية.في الجهة الاخرى، مثقف اصيل هو الآخر واحد من اثنين :ـ اما انه هجر بلاده في هجرة بتذكرة سفر ـ اتجاه واحد بلا عودة ـ بعد ان ضاقت احواله،او انه هاجر الى داخل ذاته وانكفأ على نفسه حاملاً همومه ومآسي بلاده.ما عمّق كآبته وزاد منسوب قلقه رؤية امته بلا وزن في المحافل الدولية،واشتباكه الدموي مع بعضها.
عزاؤك في السوق، المسجد،مجالس العزاء،صالات الفرح،انك تلمس الفوراق المذهلة رغم الفوراق الاجتماعية الهائلة المهولة. تلتقي اشخاصاً بسطاء.تُصاب حينها بالدهشة. رجال شجعان اقوياء يعبرون عن آرائهم بصدقية. يدافعون عن مبادئهم بحرارة.لا يكذبون ولا يتلونون في مواقفهم كمثقفي اهل السلطة. يتألمون لما يُحاك لهذه الامة .قلوبهم تفيض بالتقوى لرب العزة.خبزهم كفاف يومهم.هم اهل نخوة،محاربين اشداء عندما تنتخيهم . في اوقات البلاء صابرون محتسبون امرهم الى الله.وجوههم نضرة بلا مكيجة نفاق و انفاسهم زكية دون عطور باريسية.مفعمون بالحب لإوطانهم يحلمون بسلسلة اصلاحات واسعة على راسها شلع النخب الطفيلية من شروشها لانهم ـ شر البلية،راس الفتنة،كبار الحرامية ـ.
مدونة بسام الياسين