في ملتقى قصيدة النثر الثالث في مدينة البصرة: شعراء شباب علمّوا آباءهم كيف تُكتب قصيدة النثر

شبكة وهج نيوز : ثلاثة أيام مع قصيدة النثر، شارك فيها أكثر من ثمانين شاعراً من مدن عراقية مختلفة، فضلاً عن خمسة عشر ناقداً، وضيوف جاؤوا مكرمين لدورهم في الثقافة العراقية، كل هذا حدث في مدينة البصرة في النسخة الثالثة من ملتقى قصيدة النثر الذي جاء تحت شعار (قصيدة النثر فضاء متجدد).
الملتقى الذي كان من المؤمل أن يشارك في افتتاحه أكثر من خمسة عشر شاعراً، لم يتمكن من الحضور إلا سبعة شعراء بسبب العمل الإرهابي الذي طال أحد المطاعم السياحية في الطريق الدولي، الذي يربط العاصمة بغداد بمدينة البصرة، وما كانت تفصل إلا لحظات بين دخول الملثمين إلى المطعم وقتل أكثر من ثمانين مواطناً كانوا على سفر، لتُفجّر بعد ذلك سيارتان بالقرب منه، إلا أن نجاة حافلتين كانتا تقلاّن الأدباء المشاركين في الملتقى، والقادمين من بغداد والمدن الشمالية والوسطى، إلا أنهم لم يتمكنوا من العبور بسبب إغلاق الطرق وعدم تمكنهم من الوصول في موعد الافتتاح المقرر.
الجلسة الافتتاحية كانت معبأة بكلمات شكر وعرفان للجهة التي دعمت الملتقى؛ وهي وزارة النفط وشركة نفط البصرة، بدون الحديث عن أهمية قصيدة النثر ولا المشروع الذي سيقدّم في هذا الملتقى، وهكذا كانت أيضاً الكلمات الختامية، فقد بقي الملتقى رجراجاً بدون تنظير ولا حديث عن قصيدة النثر العراقية ولا إلى أين وصلت وأهم تجاربها الحالية. الجميل في هذا الملتقى أن النصوص ذهبت إلى النقاد الخمسة عشر، فشارك هؤلاء النقاد في ثلاث جلسات نقدية أعقبت القراءات الشعرية مباشرة، فانقسم النقّاد إلى طائفتين، الأولى كعادة الكثير من النقّاد العراقيين كانت مادحة وغير مهيأة للنقد، بل إن بعض النقاد تحدث عن موضوعات النصوص بعيداً عن فنيّتها، فيما اهتمت الطائفة الثانية بالحديث عن قصيدة النثر وإخراج الكثير مما قدّم في الملتقى من هذا النوع الشعري.
الأمر اللافت في الملتقى وفي حديث النقاد أيضاً، أن الشعراء الشباب كانوا وحدهم القادرين على تمثّل شكل وبناء ولغة وموضوعات قصيدة النثر، في حين بقي الشعراء الأكبر عمراً كلاسيكيين ويفكرون بعقلية القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة حتى في كتابتهم لقصيدة النثر، كما كان من اللافت حضور عدد كبير من الشعراء العموديين، وبعضهم كتب قصيدة النثر لمجرد المشاركة في المهرجان.
ومن أجل الوقوف على أهم ما حدث في هذا الملتقى وإن كانت هناك قصيدة نثر وما هي التحوّلات التي طرأت عليها خلال العقود الماضية، تحدّث لصحيفتنا بعض المشاركين في هذا الملتقى:
في سؤالنا عما إذا كانت هناك قصيدة نثر في هذا الملتقى، يعيد أحمد الزبيدي السؤال بصياغة أخرى: هل هنالك شعر في هذا الملتقى؟ مجيباً: لا نريد توظيف المعايير النقدية الصارمة، لكن يمكن القول إن هنالك ومضات شعرية، ليس شرطاً أن تجد قصيدة إعجازية لا يمكن أن ينال منها النقد، لكن يمكن القول بشيء من الاطمئنان إن هنالك صوراً شعرية قدحت في بعض القصائد، وللأسف بعض القصائد لا ترقى لمستوى اللغة أصلاً، كما أن الصورة صديقة كل الأنواع الشعرية، وقصيدة النثر إذا كانت هي آخر التحوّلات الحداثية في القصيدة العربية، يمكن القول هي أخطر مراحل المغامرة الشعرية، فلذلك هي ليس كما وصفها البعض بأنها حائط واطئ يغري بتسلقه كل ذي رجلين، بل هي قصيدة تجعل الشاعر في امتحان حقيقي لمقدرته الشعرية.
ويؤكد على أنه لم يسمع قصيدة متكاملة في هذا الملتقى، «لكنني سمعت ومضات في بعض القصائد، وجملاً متفرقة، حتى لو جمعت كل الجمل التي أعجبتني، فربما لا تكتمل القصيدة». غير أنه وبعد هذا الزمن الطويل من قصيدة النثر العربية، يشير الزبيدي إلى أننا نحتاج إلى العودة للمرجعيات الثقافية، فالشعراء لا يتخلون عن آبائهم. العراقيون يبدعون في قصيدة التفعيلة لأن شعراء العراق هم من أنتجها، من السياب والملائكة والرواد الآخرين، ولأن قصيدة النثر لم تكن عراقية الولادة؛ نوعاً ما، فهي قد ولدت في سوريا ولبنان، على يد شعراء مثل أنسي الحاج والماغوط وأدونيس وغيرهم، وعلى الرغم من وجود آراء نقدية تؤكد ريادة الشاعر حسين مردان لقصيدة النثر، لكنه يعتقد أن المرجعيات الثقافية للشاعر العراقي تكاد تكون مرجعيات يطغي عليها البعد العروضي، لذلك تجد حتى شاعر قصيدة النثر عراقياً تتسرب إليها باللاوعي هذه الأنساق الوزنية وتدخل في قلم الشاعر، فهو يكتب قصيدة تفعيلة، ويصر على أنها قصيدة نثر، و»الدليل على ذلك أن أول قصيدة ألقيت في هذا الملتقى للشاعر شوقي عبد الأمير كانت قصيدة موزونة على بحر المتدارك، فهذا يعني أن الوعي النقدي والجمالي للشاعر العراقي في قصيدة النثر ضعيف جداً، ولا يعبر عن اكتمال الصورة المشهدية لهذه القصيدة». 
من جانب آخر، يرى الشاعر جمال جاسم أمين أن قصيدة النثر العراقية موجودة ولا يمكن حصرها بالملتقى، إذ ليس بالضرورة أن يشارك شعراء وكتاب قصيدة النثر جميعاً في الملتقيات، فهنالك من لا يشارك.
وفي جوابه عن تساؤلنا إن كانت هناك قصيدة نثر واضحة المعالم عراقياً، يجيب أمين: توجد قصيدة نثر عراقية قليلة ومحدودة، لكنها ناضجة وعميقة، غير أن مشكلتنا أن الكم يضيّع النوع، وأن الاحتفالات الثقافية تحتفي بالكم على حساب النوع، فنحن بحاجة إلى مؤسسة ذات منحى فني أكثر منه منحى احتفالياً، معتقداً أن المشكلة عربية وليست عراقية فقط، ففي موروثنا ينظر للشعر على أنه احتفال، وبفرض الحداثة انتقلت القصيدة من الاحتفال إلى الإيحاء والهمس والتأسيس والمعرفة، وهذا التحوّل على مستوى الذائقة، لم يرافقه تحول على مستوى الإجراء، فما زال الشعر معنياً بالمنصة، وما زال الشعر ينشد واقفاً، في حين أن قصيدة النثر قصيدة معرفية تأملية، حتى في قراءتها- وليس إلقاءها- تحتاج إلى ترتيب جلوس المتلقين بشكل مختلف وليس على النمط الذي اعتدناه، لأن ترتيب حضور الشاعر وجلوسه يؤثر على نمط التلقي.
ويتمنى أمين من خلال هذا الملتقى أن يكف الأكاديميون عن تناول تجارب تحسب على قصيدة النثر لترميم أطروحاتهم، بشعر لا يحمل الشعر، حتى أصبحت الآن موضة أكاديمية بالكتابة عن جيل أو مجموعة شعراء، ويحشّد مجموعات شعرية هي في حقيقتها خالية من الشعر. وهناك عبء آخر على النقاد أنفسهم الذي ينبغي أن ينظروا إلى النقد بوصفه موقفاً، وأن يشيروا إلى التجارب المتميزة، وحتى على مستوى نقادنا الكبار ما زال النقد كسولاً، وبعضهم تقاعد عن النقد، وغيرهم من يعد تجربة المهرجانات والملتقيات تجربة اجتماعية أكثر منها تجربة ثقافية. الأمر الآخر على الشعراء المبدعين في قصيدة النثر أن يبتكروا منافذهم التي تسوّق نتاجهم، وأن لا يتكئوا على المهرجانات الأساسية، وبالتالي يضيع النوع بالكم. الشاعر عمر السراي، الناطق الإعلامي في اتحاد الأدباء والكتاب في بغداد، يبين أن هناك قصيدة نثر يكتبها عراقيون، وليس قصيدة نثر عربية، الحديث عن قصيدة نثر عراقية هذا ينبغي أن يكون له له تراكم أسلوبي، وعندما نريد أن نتحدث عن هذا الأمر يجب أن تكون هناك بصمة أدبية، و»من المصادفات أنني خلال عملي أجريت حوارين مع شاعرين بالتوالي، الأول كان مغربياً وأسمعني قصائد تنم عن الحياة في باريس، بعد يوم أجريت حواراً مع شاعر عراقي ينتمي إلى مدينة أشبه بالقرية، أسمعني قصيدة تقترب من قصيدة الشاعر المغربي الذي يعيش في باريس، حينها أحسست أن هناك كذباً في تطريز قصيدته، والتأثر بمعجم ليس معجمك الحقيقي. الجانب الآخر قال أحد الشعراء في لقاء ما: الخيول البلق، والمفردات التي ألفناها جاهلية داخل إطار الشعر.. فهناك سر في قصيدة النثر هو أن تكون يومية.. يقول بودلير في إحدى نصوصه: «سأكتب عن قاع المدينة.. سأكتب عن البحارة، عن الرجال والنساء وهم يتغوطون في الشوارع، هذا ما أعرفه، سأعري روحي في مدينة، وأعري روح المدينة». وأظن أن هذا شرط مهم من شروط قصيدة النثر، وربما نزر يسير جداً من يعمل بهذه الرؤية، وعدد قليل جداً من قصائدنا يمكن أن نطلق عليها قصيدة نثر».

أما فائدة المهرجانات الملتقيات التي تنظمها اتحادات الأدباء في المدن العراقية، فيوضح السراي أننا في هذه المرحلة التي كل ما فيها يشير إلى الخراب، نحتاج إلى مقارعة ولو قليلة، نعوّل على الكم الذي ربما سيفرز نوعاً جيداً في لحظة ما.. القصيدة لا تتطور وحدها، شرط من شروط تطور أي إبداع أن يكون هناك تراكم حضاري ومعرفي وفكري ومدني داخل الأطر كلها، وهذه المهرجانات هي رسالة أولى للالتقاء ولكي يكون الهامش موازياً للمتن، ومن ثمَّ فإن آليتنا في إقامة المهرجانات ما زالت كلاسيكية، وهي احتفالية في أغلبها، لكن أن نطور عملنا هو حلم في زمن لا تتوقف لدينا الإمكانيات، ونحلم في مهرجان نموذجي، لكننا حتى الآن لم نمتلك المعايير الكافية لكي نقول هذا الشيء، شعرا أو غير شعر، ما زلنا نحتكم إلى المزاج أو العاطفة في بعض الأحيان، ما زلنا نحزن حينما نشتم ونفرح حينما نمتدح، وهذا شيء ربما يعاب علينا.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا