«داليدا» إيطالية النيل… حُب يكسر هيبة الموت
البداية كانت مع والدها بيترو جليوتي، عازف الكمان الأول في أوبرا القاهرة، وموسيقاه التي كان يعزفها ليوقف بكاءها، وهي رضيعة، بعد أن أصيبت بالتهاب في العيون وأجبرت على تغطية عينيها. الموسيقى كانت أشبه بالنور الذي تبصره الصغيرة من خلال الضماد، وتعلمت منذ سنين عمرها الأولى أن النغم يُرى ولا يُسمع فقط. ولكن ما تعلمته الصغيرة لاحقاً من خلال غياب والدها القسري، سيحكم علاقتها بالرجال والحب والموت.
في داخل كل منا طفل يبكي
عندما اعتقل والدها لم تكن داليدا تتجاوز السابعة من عمرها، حيث اتهم من قبل الإنكليز بالعمالة للفاشية، كغيره من الإيطاليين في مصر خلال الحرب العالمية الثانية. هذا الغياب المفاجئ للأب سيتجسد لاحقاً في خوف دائم من الفقد والهجران يلازمها مدى الحياة، وعندما يعود الأب من مخيمات الاعتقال الصحراوية يكون التصحر قد أصاب الروح أيضاً، ولا يعود الصخب الداخلي الذي يعتمل في روحه قادراً على احتمال أي صخب خارجي، فيلجأ في كثير من الأحيان إلى العنف لإسكات الصغار أو إسكات فحيح الألم في صدره، إلى الدرجة التي ستتمنى فيها ابنته موته، وعندما يستجيب القدر ويموت الأب بعد سنة واحدة من خروجه من المعتقل، تصاب الصغيرة بعطب آخر، وهو الإحساس بالمسؤولية عن موت مَن تحب. وعندما تعود داليدا إلى مصر بعد سنوات وتقف على عتبة البيت عاجزة عن الدخول، وستصرح لاحقاً: «البيت بدا صغيراً، أو ربما عندما كانت صغيرة كان العالم يبدو كبيراً». لكن الطفلة تلك لم تكبر، وهي نفسها التي بكت بعد ثلاثين سنة في وسط حي ُشبرا، الذي تغير فيه كل شيء إلا لافتة معدنية ملأها الغبار وكتب عليها: «بيترو جيلوتي، أستاذ الكمان».
الحب المفقود
فقدان الأب في سن مبكرة أصاب داليدا بخواء عاطفي وجعلها في حالة بحث عن الحب، الذي منحها بعضا من السعادة، ولكن كثيراً من المعاناة والألم. علاقة الحب الأولى كانت مع مكتشفها «لوسيان موريس»، ومعه حلمت بأن تكون امرأة عادية تنجب أطفالاً وتحضر العشاء وتنتظره عند المساء، لكن لوسيان أراد أن يصنع منها نجمة تحلم بأن تكونها كل النساء. وعندما أذعن لها وتزوجها بعد خمس سنوات، كان الوقت قد مضى، وأصبحا صديقين حميمين أكثر من كونهما عشيقين، وهذا ما دفعها في النهاية إلى الهروب من أحضان الأب الروحي إلى ذراعي الأمير المخلوع جان سوبوزكي.
مع الشاب «سوبوزكي»، وهو الشاعر والرسام عاشت داليدا حباً رومانسياً، ولكن رعونة وجنون الشباب لم ترض طموح المغنية الحالمة بالشهرة، فمضى الأمير أو خلعته النجمة من قلب الشابة العاشقة. وعندما بلغت الثالثة والثلاثين من العمر، كان كل شيء قد نضج لتلتقي بحب حياتها «ليوجي تانغو» المغني الإيطالي، أو بوب ديلن إيطاليا، «تانغو» كان قارئاً نهماً وخصوصاً للفيلسوف الألماني هايدغر، وكان مشغولاً بمعنى الوجود والعدم، وقد دفعه قلقه الوجودي وفشله في مهرجان سان ريمو الغنائي إلى الانتحار، وفي رسالته الأخيرة كتب أنه انتحر احتجاجاً على جمهور جاهل من دون أن يترك كلمة وداع لداليدا.
انتحار تانغو ترك شرخاً عميقاً في حياة النجمة، ورغم أنه لم يستطع جذب الجمهور إلى فنه لكنه نجح في جذب قلب داليدا إليه، بل نجح في جذبها إلى الموت، حيث أقدمت على الانتحار بعد موته بثلاثة أشهر، وتم إنقاذها بعد دخولها في غيبوبة طويلة جعلتها تقترب من تخوم الموت وتكسر هيبته. بعد موت تانغو دخلت داليدا في مرحلة البحث عن المعنى، واكتشاف الذات من خلال التحليل النفسي، وكل الأجوبة التي استعصت على الطب، حاولت إيجادها في الكتب ابتداءً بفرويد ويونغ وانتهاءً بسارتر وهايدغر.
«الوجود المحكوم بالموت» عند هايدغر سيصبح «الوجود المحكوم بالحب» عند داليدا. ستبحث عن الحب الحقيقي كثيراً، من دون أن تعثر عليه، رغم كل العلاقات العاطفية التي عاشتها، كعلاقتها بالشاب الذي يصغرها بأعوام، والذي أجهضت الجنين منه لشعورها بأنه غير قادر على أن يكون أباً، ففقدت بعدها قدرتها على الإنجاب رغم عشقها للأطفال. بعدها عاشت علاقة حب طويلة مع «ريتشارد شانفري»، الأرخميدي الذي ادعى الخلود، فحاولت معه أن تصارع خصمها الموت، ولكنها فشلت في الحب من دون أن تهزم الموت حقاً. وهي التي كانت دائماً تبحث عن الأجوبة وعن ظل الأب الغائب، أقامت العديد من العلاقات مع رجال فكر وسياسة، علاقات مرت بحكمة البوذية من خلال الكاتب والمدرب الروحي «أرنو دوجاردن»، أو بحذلقة السياسة من خلال «ميتران» الذي من أجله عاد قلبها لينبض يساراً بعد أن كانت يمينية الهوى في ما سبق. أما علاقتها الأخيرة فكانت سرية مع طبيب متزوج، وفي آخر اتصال هاتفي له معها ألغى موعداً على العشاء أو أنهى العلاقة، فضربت هي موعدها المؤجل مع الموت، وأنهت حياتها.
الموت من الحب
عندما حدّقت داليدا في وجه الموت في محاولتها الأولى للانتحار، لم تعد تخافه، وكما صرحت في مقابلة تلفزيونية: «نخاف الأشياء التي نعرفها ولكن الإنسان لا يعرف الموت، الخوف من الموت هو الخوف من الحياة نفسها». كما قال درويش: «كأنني قد مت قبل الآن/أعرف هذه الرؤيا وأعرف أنني أمضي».
المشكلة أن الموت لم يكتف بحبيبها «تانغو» بل امتدت أصابعه إلى رجالها الآخرين كما لوسيان موريس وريتشارد شونفري، حيث أقدما هما أيضاً على الانتحار، ما جعلها تشعر بالذنب وأضحى الانتحار هاجساً يلاحقها كظلها. وقد صرحت يوماً بأنها تفعل كل ما بوسعها لتكون سعيدة لكن الموت يحوم حولها دائماً، وفي النهاية عندما تحول انتظار الموت إلى عبء نفسي ذهبت طواعية إليه. وكما يقول بودلير: «تعبت من النوم والاستيقاظ كل يوم، أريد أن أنام مرة واحدة إلى الأبد».
أغان أغان أغان
رغم امتلائها بكل أسباب الرحيل إلا أن رغبة الحياة ظلت تتدفق في داخلها شلالاً من موسيقى وأغانٍ. «دليدا» هو الاسم الفني لـ (يولندا جاليوتي)، التي سميت بداية «دليلة» لما كانت تحمله من ملامح وروح شرقية، فهي الإيطالية المولودة في مصر والممتلئة بشمسها، كما قالت: «الشمس تلبسني أجمل ثوب». ولاحقاً ولد اسم «داليدا «من دمج الاسمين معاً. أما رصيدها الفني فكان واسعاً فقد تنقلت بين الأغاني العاطفية والتويست واليي يه في الخمسينيات، إلى الأغاني الوجدانية في الستينيات، وصولاً إلى الأغاني الإيقاعية ثم الديسكو في السبعينيات، حيث تربعت على عرشه وأصبحت ملكة الديسكو الفرنسي، ورقصته بروح شرقية مميزة. وقد غنت بلغات عديدة، وتميزت بتدويرها لحرف الراء كالإيطاليين، ولكن اللغة التي أتقنتها بشدة كانت لغة القلب، فكانت تغني لتنبش في أعماقها عن مكامن الألم والفرح وكأنها تغني لتشفى، أو كأنها تسكّن الألم بالموسيقى وترتق تمزق الروح بالأغاني. والحقيقة لا يوجد إحساس يشبه إحساس داليدا في الغناء، حتى أننا نكاد نسمع صوت انهمار دمعتها حتى من دون أن نرى بكاءها، حتى تصير هي الأغنية. ورغم كل معاناتها كانت تعيش أجمل لحظات حياتها وهي تغني، وقد صرحت يوماُ بأنها في الحياة طفلة تتحول إلى امرأة ناضجة فقط عندما تغني. ولهذا قدمت داليدا للأغنية كل ما تملك، فغنت للحب والمرأة الأربعينية وغنت غرامها بشاب له من العمر نصف عمرها، وغنت «أنا مريضة بالحب»، بإحساس جعل مطربها الأصلي سيرج لاما يعترف بأن داليدا تفوقت عليه، بل على نفسها في هذه الأغنية. وكما غنت للرقص والشمس غنت أيضاً للوحدة والموت، حتى أن اختيارها لأغنية «الوردة التي تموت في شهر مايو/أيار» لم يكن عبثياً حيث أنها اختارت موتها في شهر أيار من عام 1978. وفي المحصلة كانت أغانيها مرآة لروحها، ولهذا اختارت كلماتها بعناية، وعقدت صداقات خاصة مع أغلب مؤلفي أغانيها، حتى أن الكثير من الأغاني كُتبت خصيصاً لها. أغان كانت بمثابة صرخة في وجه كل قهر الحياة وألمها، ولكن رغم قوة الصوت الجنوبي لم تستطع هشاشة الروح أن تصمد فاستسلمت في النهاية، وهي التي كانت تخاف العتمة، أطفأت الضوء المقابل لسريرها لأول مرة في حياتها، بعد أن كتبت: «سامحوني لم تعد الحياة ممكنة بالنسبة لي». أغمضت يولندا جليوتي عينيها اللتين كانتا تؤلمانها منذ صغرها، ولم تفتحهما بعد ذلك. رحلت يولندا مصطحبة معها داليدا، التي بعكس يولندا أحبت الأضواء، بل كانت هي الضوء المقبل من الشرق. ماتت يولندا لتخلد داليدا «إيطالية النيل» إلى الأبد.
وفي الأخير .. كنت أرغب في الكتابة عن فيلم سينمائي يحمل عنوان «داليدا»، لكنني شعرت بأن الفيلم لم يستطع الإحاطة بكل جوانب هذه الشخصية العميقة، فاخترت في النهاية أن أكتب عن داليدا من خلال كل ما أعرفه وما قرأته وسمعته وشاهدته عنها.
٭ كاتبة سورية
آية الاتاسي
