مؤتمر «نقد الممارسة في الدراسات الثقافية» في القاهرة: إشكالات النقد وواقعه

شبكة وهج نيوز :  لم تزل الاتجاهات النقدية الحديثة ــ الحديثة نسبياً للناطقين بالعربية ــ محل الكثير من الجدل والخلاف، بداية من كونها مناهج غربية، نتجت عن ظروف ووقائع مغايرة لما يحدث في بلاد العرب، ومن ناحية أخرى نجد محاولات مستميتة في الإيحاء، وصولاً إلى التأكيد على أن هذه المناهج البحثية أو التنظيرات لها أصل ووجود في الفكر والتراث العربي، وهي مفارقة أو آفة تخص العرب، بأن لديهم كل شيء.
ورغم مجهود البعض وتواضعه في نقل هذه التجارب ومحاولة تطبيقها والاستفادة منها، إلا أن التضارب يطول العديد منها، بل يصل الأمر إلى حد التصارع حول آراء ناقد وناقد آخر. وعن (النقد الثقافي) عُقد مؤخراً مؤتمر يحمل عنوان «نقد الممارسة في الدراسات الثقافية» في المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، نظمه مركز الدراسات الثقافية. كمحاولة لبحث أزمة الثقافة العربية، والفارق الشاسع ما بين الفروض النظرية والتطبيق العملي لمفهوم ومعنى ما هو ثقافي. وقدّم خلال المؤتمر العديد من الأبحاث تراوحت بين التنظير والتطبيق، أو الاقتصار على استعراض المعلومات البحثية، نذكر منها على سبيل المثال: النقد الثقافي والنقد الجمالي: الحضور المزدوج، المهمشون في سياقهم الثقافي والتاريخي.. قراءة في كتابات شعبان يوسف، بلاغة الكذب: بلاغة الأنساق الثقافية المتصارعة، التحليل الثقافى للنص السينمائي، القيم والأيديولوجيا والعلم.. وهم الموضوعية العلمية، النص المسرحي وتباين حالات التلقي، أزمة الثقافة في البلاد العربية بين التنظير وآليات الممارسة، الممارسة الثقافية. قراءة مونتاجية في المشروع الغذامي، الممارسات العربية للنقد الثقافي، من التأصيل حتى غواية المصطلح، والنقد الثقافي بين تماثل المنطلقات النظرية وتباين الممارسات التطبيقية. وسنحاول استعراض أفكار بعض من هذه الأبحاث..

نقد ثقافي أم نقد أدبي؟

لا يزال كتاب «النقد الثقافي.. قراءة في الأنساق الثقافية العربية» لعبد الله الغذامي، يثير جدلاً صاخباً، بداية من وجهة النظر الحادة والتحررية التي انتهجها، ليعيد من خلالها قراءة تجارب عربية متضخمة بدون داع في الوعي العربي. فجاءت عدة أوراق بحثية تناقش فرضيات وآراء الغذامي، سواء اتفاقاً أو رفضاً، أو حتى محاولة للتوفيق. بداية ترى أميرة ناصر في بحثها المعنون بـ»الممارسة الثقافية.. قراءة مونتاجية في المشروع الغذامي»، أن النقد الثقافي يعد أداة من أدوات قراءة النص، وليست مهمته إلغاء النقد الأدبي، ولكن تحييده ليفسح المجال للثقافي منه أن يكشف ويضيء المضمر، بهدف تجاوز النص إلى الخطاب. هذا هو الجانب المطروح عربياً كما قدمه الغذامي. وأضافت ناصر، أن النقد الثقافي ليس عودة إلى الوراء لطمس الحدود بين دوائر أدبية الأدب وجماليته، فهو لا ينحصر في توجه منهجي واحد أو إجراءات بعينها، أو أنه الحل الأمثل لتوفيق المدارس النقدية معاً، لكنه قد يكون إطاراً من الافتراضات يوجد بدرجات متفاوتة داخل المدارس النقدية، فقد تجاوز التعامل مع النص كموضوع وأصبح النص لديه ليس ما هو مكتوب، بل بمعنى أي ممارسة إنسانية مادية أو فكرية لها دلالة، وهو ما يشمل الواقعة اليومية أو الحدث التاريخي على السواء.
من جانبه أضاف هشام زغلول في بحثه «الخطاب النقدى الثقافي.. مساءلة منهجية للمفاهيم والمقولات العربية» بأن الغذامي في مؤلفه، الذي أعلن من خلاله موت الناقد الأدبي بأنه كان أكثر راديكالية حين وصم النقد الأدبي بالقصور، وزعم أنه أوقعنا ــ النقد الأدبي ــ في عمى ثقافي تام عن العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي، ويرى زغلول أن الغذامي تبنى خطاباً نقدياً ثقافياً غربياً، ثم طبقه غير مبال بخصوصية السياق الثقافي العربي. بينما ترى عزيزة بدر في بحثها «القيم والأيديولوجيا والعلم» أن القراءة فعل اجتماعي سياسي جذري، ينفذ إلى بنية المعنى والعلاقات الاجتماعية، متوافقه بذلك مع موقف الغذامي، وترى ضرورة التحرر من رق النقد الأدبي. لتأتي في الأخير بعض مداخلات الحضور، داعية للالتزام بالنقد الأدبي، باعتباره نقداً جامعاً، ولا يمكن تعويضه من خلال النقد الثقافي وحده، حيث يعد الأخير جزءا لا يتجزأ من النقد الأدبي.

أرباب السلطة والمغضوب عليهم

«المهمشون في سياقهم الثقافي والتاريخي.. قراءة في كتابات شعبان يوسف» هو عنوان البحث الذي قدمه ممدوح فرّاج النابي حول بعض الأصوات الأدبية التي أصبحت ضمن هامش الحياة الثقافية، رغم تجاربهم الواعدة، التي تحمل العديد من السمات الفنية والجمالية، بمعنى أنها تجارب ذات قيمة، لكن هناك عدة أسباب خلقت حالة من التواطؤ، جعلت هذه الأسماء تعيش وتموت في الظل. فحالة إقصاء هؤلاء لم تكن كيفما اتفق أو مصادفة، بل يشير النابي إلى أن عمليات الإقصاء تلك قام بها بعض ممن اكتسبوا سلطة بفعل احتمائهم بمنظومة السلطة ذاتها، أو بفعل أفراد أسبغوا عليهم صفات الفحولة. ومن ثم تساوت الحياة الثقافية في ممارساتها وانحيازاتها مع السلطة بمعناها الأيديولوجي في إقصاء وتهميش أسماء كبيرة، كانت ملء السمع والبصر، لكنها توارت عن الأنظار لحساب فحول كرست لهم الحياة الثقافية وخلفت لهم البيئة ليكونوا بمثابة الأنساق الثقافية المهيمنة. الأمر ذاته في مجال الكتابة النسوية، فتاريخها لا ينضب من جراء هذه الممارسات، سواء بالإقصاء أو التهميش، ما أدى ببعضهن للانتحار في النهاية.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا