العراقي «حسين البندر» يخوض «رحلة في قوارب الموت المطاطيّة»

جلال نعيم
■ «كانت ترعبني فكرة أن تنتهي حياتي في أي لحظة، بانفجار سيّارة مفخخة أو عبوة ناسفة على الطريق، بطلقة لمسدس كاتم الصوت يحمله رجل لا يعرف القراءة والكتابة، يقتلني فقط لأنه يريد ذلك، أو بذبح على الهوية بطريقة مروعة، فتبكي أمي وتشعر بالجرح على مدى حياتها، آه كم كنت أتألم لذلك، أرهقتني الفكرة بأكملها، وصرت أحاول إنقاذ نفسي من الأذى، فكلنا بالطبيعة البشرية نتجنب الألم ونبحث عن المتعة».
الشاعر العراقي الشاب، الذي لم يتجاوز الاثنين والعشرين ربيعاً آنذاك؛ أي قبل عامين من الآن، لم يكن له ترف ذلك الخيار وهو يعبر بحر «إيجه»، بين تركيا واليونان، على قارب مطّاطي، وهي القوارب التي سُرعان ما عُرفت بـ»قوارب الموت»، وإنما وجد نفسه يحيا في صُلب تلك «الساعة» وهو يتوجه إلى أوروبا، هارباً من بلاده، متنقّلاً من جحيم الى آخر في ماراثون جماعي ضمّ مئات الآلاف من اللاجئين، أمام أنظار العالم كله، في قيامة جديدة، قيامة خارج التقاويم وخارج التاريخ، ومن ثم خارج القيم الإنسانية كلها.
الخوف
ما الذي يدفع شابّاً في مقتبل العمر لأن يغادر بلاده؟ أهله وشوارعه وأصحابه؟
(الخوف).. يجيبنا حسين البندر في كتابه «غرق غير مؤكد.. رحلة في قوارب الموت المطاطية» قائلاً: «فقد بقيت أسير في الشوارع الفرعية للعاصمة، وأجلس في أماكن قصية في المقاهي والمطاعم، كل ذلك خوفاً من السيارات التي سيحدث انفجارها دوياً هائلاً في الأرجاء، وحتى لو كنت في البيت، فإنّ الستائر والشبابيك ستهتزّ. فوبيا مرعبة لم أصارح أحداً بها، وكان أحد حلولي أن أُلازم البيت كي لا ينكشف أمري في مجتمع يكون فيه من العيب أن يخاف الرجل من شيء، لكنها سيارة ملغومة تمشي قربنا يا سادة، وستحدث دوياً مرعباً لا تشفى أذناك منه إلا بعد جهد».
الجهل والاغتراب
ثم يأتي (الجهل).. «كان المجتمع منهاراً تقريباً، وتمجيد الحرب على أوسع نطاق سمة له، وكنتُ أعيش في بقعة جغرافية يملؤها الجهل، لدرجة أنك تسمع من يشير إليك ضاحكاً حين يراك تحمل كتاباً». وهو ما يقود إلى (الشعور بالاغتراب) .. «كنت قد قرأت في مواضيع شتى ما يسمى بالاغتراب الداخلي، ولم أكن أفهم معناه بدقة، لكنني عشته بما يكفي في ما بعد، لأستطيع أن أكتب عنه». وهو ما قاده لما يُسمى بـ«شجاعة اليأس» وهي الشجاعة التي تتولّد من اليأس المطلق.. «ستكون هجرتي هي تلك الفكرة التي تثقلني لأربع سنوات، هجرة يكون فيها القرار ترك كل شيء تماماً، والسير قدماً بدون التفات إلى الوراء». كذلك فإن شجاعة اليأس هي الوحيدة التي ستحسم القرار، قرار الرحيل أو البقاء الى إشعار أو انفجار آخر، فها هو ينظر إلى بلاده من مقعده بالطائرة وهي تغادر.. «شعرت بأن شيئاً ما ينفصل من روحي. شيء غريب يريد أن يبقى هنا، أمام هذا المكان الحنون والقاسي في آن، وشيء آخر يريد أن يغادر بلا رجعة. كنت أقف حائراً بين هذين الشيئين اللذين جعلاني متصلباً ومنزعجاً، فبكيت وعانقت حياتي».
الإثم
يستغرب البندر وهو في زحام رحلة هروبه، بأن عليه أن يُثبت ويؤكد حبه لبلاده وكأنما هو الذي خذلها وتخلّى عنها: «أنا أيضاً أحب العراق وأقول ذلك.. لماذا يريد المهاجر أن يقول إنه يحب بلده عندما يهاجر؟ لماذا يتولّد لديه ما يشبه الشعور بالإثم عند ترك البلاد؟ أعطني بلداً واحداً لم يهاجر ابناؤه وقت اندلاع الحروب. كان الإمام علي بن أبي طالب يقول: «خير البلاد ما حملك»، لماذا يجب عليّ أن أبرر هجرتي بالقول إنني هاجرت، لكنني أحب بلدي وليس لي ذنب؟ أمهاجر ومذنب في الوقت نفسه؟ ما هذه الحياة القاسية». مهاجر كئيب ولكن بحسّ كوميدي أيضاً!
اللاعودة
يشرع حسين البندر بعدها برواية وقائع هروب جماعي مُعلن، فيصف تركيا وكيف تحولت الى محطّة للفارّين من أوطانهم التي تحترق: «كانت تركيا غريبة هذه المرة بفعل حركة الهجرة، الشرطة منتشرة وتعرف ما الذي يجري، كانت تمر من أمام الجموع التي تتباحث عن التهريب بدون أن تفعل شيئاً، صارت تركيا مثل محطة قطار تربط مدناً مهمة. أناس تغادر وأناس تصل لتغادر وهكذا. رأيت عائلات تنام في الساحات العامة والحدائق وعلى الأرصفة، في إزمير وإسطنبول بانتظار اتصال من مهرب يرميهم في البحر. كنت متفقاً مع مهرب على تهريبي خلال يومين من وصولي إلى تركيا، وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أتعامل مع نوع من البشر كهذا». ثمّ «كانت الأخبار صاخبة عن الهجرة في الإعلام العربي والغربي، إذ كانت صور الغرقى تملأ الصحف والقنوات ووسائل التواصل الاجتماعيّ في كل مكان». نعم، فقد كانت هجرة شعوب بكاملها من بلاد إلى بلاد، ومن قارّة إلى قارّة، وللعبور لا بدّ من عبور الأسوار الفاصلة ما بين القارّات وهو بحر «إيجه» الذي يفصل بين أوروبا (اليونان) وآسيا (تركيا)، البحر الذي طفت على مياهه آلاف الجثث التي صعدت أرواحها إلى السماء بدون أن تطأ أقدامها شوارع أوروبا. في هذا الفصل من سرد مغامرته، قدّم حسين البندر وصفاً يُلهب الأنفاس، بدءاً من مافيا التهريب وشراستها ولامبالاتها، مروراً ببيعهم لـ»نقطة الانطلاق» لمن يدفع أكثر وهي آخر نقطة على الحدود البحرية بين تركيا واليونان؛ نقطة اللاعودة.
رحلة الموت
ثم الوصول إلى الزورق المطاطي الذي لا يسع أكثر من سبعة أشخاص بينما يحشرون فيه 58 شخصاً، ومَن لن يغرق منهم فسيكون بلا شكّ على حافّة الغرق: «أفقت تماماً لأرى الأرجل بوضوح، وهي تنفخ البلم بواسطة البمب، ليتم بعد ذلك إنزاله إلى الجرف وإصعادنا فيه، بتعبير أدق، لتدفعنا أيادي المافيا لعرض البحر الهائج. وعندها اعترتني رهبة قاتلة من هذا الشيء المطاطي ومن البحر، فقد كنت أعتقد أن أرضيته صلبة نوعاً وأنه بحجم أكبر، لكنه كان صغيراً وغير جدير بالإبحار بأربعين شخصاً على الأقل، وفي بحر إيجة.. هكذا يغرق البشر إذن، وهكذا يقول لي المهرب «نسبة غرقكم 90٪» عرفت الآن ماذا يعني صعود البلم وخبرت رهبة البحر المهيبة. كان منظر المافيا مخيفاً بالإضافة لذلك، أشكال غريبة بأجساد مليئة بالندوب وضربات الموسى والوشوم، لغات غريبة، يحملون مسدسات وسكاكين، يضربون كل من يتملكه الخوف ولا يستطيع الصعود إلى البلم، من يرفض الصعود لخوف تملكه، يُضرب ليُجبر على الصعود، قررت حينها أن أتغلب على خوفي، وأنهض لمساعدة الشباب في إنزال البلم ونفخه، إنها أرجل قوية للنفخ، ورغبة ضعيفة للصعود، لكنك مجبر، فقد سلمت أمرك لمافيا لا تعرف ماذا يعني شعور الخوف، وكل همهم هو استلام المال وعدم كشف النقطة».
الراكضون
«انتبهت إلى ظاهرة غريبة، هي أن كل المهاجرين في الرحلة يركضون عند الوصول لأي مكان.. لم يسبق لي أن شاهدت مهاجراً يمشي ببطء أو حتى على مهل، لم أكن أعرف سر هذا الركض عند الوصول، أهو اللحاق بركب الآخرين؟ أم الخشية من إغلاق الأبواب؟ الجميع متأهب للركض نحو المجهول، وكنت أقف بين الحشود منتظرا ساعة الركض العظيمة تلك التي سوف لن تنساها في حياتك، وما أن أوعز المشرفون على الباخرة بالنزول، حتى تدافع العراقيون والسوريون بسرعة وصياح عال، فرحين وراكضين، وبدأت النساء تصرخ وتتذمر لأن الشباب يتدافعون ويركضون».
السماوي ومواكب الأحضان
«أخيراً حصلت على رفقة! كانت بريئة وساذجة للغاية، إذ تعرفت أثناء المسير نحو المجهول على شاب من أهالي مدينة (السماوة) العراقية، كنت أمشي وحدي وكان يمشي وحده أيضاً، فقررت أن أتقدم نحوه وألقي عليه التحية، لم يكن في نيتي أن أعمل معه رفقة، لكنني أحببت التعرف عليه لتمضية الوقت مع بعض إلى حين وصولنا الحدود المقدونية الصربيّة، كان شاباً ضخماً وأسمر جداً، أُمّيا لا يعرف القراءة والكتابة، طيب لدرجة السذاجة، يحتفظ بشعر طويل منسدل، حاد النظرة، لم يزر مدينة بغداد في حياته مطلقاً، إذا جربت أن تقول له: «إننا لن نصل إلى أوروبا وهذا كلّه كان مجرد وهم وسيتم إرجاعنا الآن، فسوف يصدقك مباشرة … كان صديقي، واسمه (سعد)، يبعث كل نصف ساعة تقريباً مسجاً صوتيّاً لأمه بالواتساب يقول فيه: «أمي الحمد لله الحمد لله أنا زين لا ينشغل بالك»، فأقول له لا تقلق صديقي فالطريق آمن وأنت قمت بطمأنتها قبل قليل، كما إننا لسنا الوحيدين، فمعنا المئات وربما الآلاف، لكن ما أن تمر نصف ساعة أخرى حتى يعود لإخراج الهاتف ويصيح: «ها أمّي قولي لأبوي وعمتي المسكينة، أنا زين زين». يواصلان السير حتى يصادفان خيام «الصليب الأحمر الدولي» فيها متطوعون للخدمة. يسأله سعد ما هذه؟ فيجيبه ثم يقرّب له الفكرة: «إن هذه الخيام تشبه خيام (المواكب الحسينية) في العراق التي تنصب على طريق كربلاء إثناء زيارة الأربعين». وسعد السماوي، الذي يُريه حسين كيفيّة حضن المتطوعات الأوروبيات للتخفيف عن الناجين من وحشة التشرّد في بلاد غريبة، لتصبح هذه الأحضان البريئة، أقصى ما يسعى إليه السماوي أثناء مشيه من بلد إلى آخر: «حسين: إذا الأمر بهذه السهولة راح أسلم عليهن كلهن!».
العبرانيون الجدد
«الرحلة التأريخية التي كانت مدتها ساعتين رهيبتين مروعتين في بحر إيجة، اقتربت من الساحل اليوناني، وصارت تتراءى لنا تحت جبل مرتفع، نساء بأجساد فضية يسبحن ويتشمسن، أوروبيات يلوحن لنا ويبتسمن، يعرفن أننا قادمون من تركيا بواسطة بلم، كانت رؤيتهن على اليابسة بالنسبة لي مثل حياة، لقد كنت لساعتين لصيقاً بالموت فلاحت لي حياة. ما أجمل النساء واليابسة والجبل، أرى حياة، بينما بدا في الجهة التي صارت مقابلة، الجرف الذي أبحرنا منه، كريهاً وجافاً، ولا حياة فيه». نعم، إنها اليابسة، ولكن هل سيكون في اليابسة خلاصه؟ خلاصهم؟ بات عليه الآن الحصول على «الخارطيّة»، وهو اسم مُضحك يشير إلى ورقة على اللاجئ الحصول عليها من أقرب مركز شرطة تثبت بأنه دخل بشكل غير شرعي لهذه البلاد؛ أي ورقة شرعية تثبت للسلطات بأن دخولك لهذه البلاد كان بشكل غير شرعي! ومجرّد الحصول على هذه الوثيقة، فإنك تحصل على «طرد» أو إذن بالخروج، من معظم البلدان الأوروبية التي دخلتها، مشياً على الأقدام غالباً، ويستوجب النوم في العراء والوقوف في طوابير الهاربين من موتهم أيّاماً! للحصول على تلك الورقة. ومن هنا يبدأ ماراثون حسين البندر و»صحبه» لعبور اليونان، مقدونيا، صربيا، هنغاريا، النمسا وصولاً إلى ألمانيا البلد الأوروبي الوحيد الذي وافق على استقبال «العبرانيين» الجدد، عبرانيّو القرن الواحد والعشرين!
٭ كاتب عراقي
