الهند .. سوق المال في نشوة لا تعرف التوقف

كان من الصعب تحديد من المسرور بقرار وكالة موديز المتمثل في رفع مستوى التقييم الائتماني للسندات السيادية الهندية يوم الجمعة: الحكومة في نيودلهي أم المستثمرون.
أول رفع لتصنيف الدولة منذ 14 عاما لقي الترحيب بشكل سريع من قبل أعضاء إدارة ناريندرا مودي، الذين وصفوه بأنه اعتراف متأخر بالإصلاحات الاقتصادية التي نفذها فيها رئيس الوزراء.
لكن لعل الأمر الأكثر غرابة بشأن تقرير موديز، نظرا لأنه لا يتضمن أي معلومات جديدة، هو أنه أضاف أيضا دَفعة إلى المسيرة الصاعدة اللافتة للنظر في الهند، التي شهدت ارتفاعا في أسواق الأسهم وفي سعر الروبية هذا العام، حتى مع تباطؤ النمو.
يقول شيلان شاه، الاقتصادي المختص في الهند لدى “كابيتال إيكونومكس”، “الاندفاع الصعودي هذا العام، خاصة في مجال الأسهم، كان رائعا إلى حد كبير”. ويضيف “من زاوية التقييمات، من الصعب ما الذي يحرك السوق، على اعتبار أن الأسهم الآن أكثر تكلفة مما كانت عليه في السنوات الخمس الماضية أو نحو ذلك”. ومنذ بداية العام ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز سينسكس المرجعي للأسهم الهندية 25 في المائة، متفوقا بذلك على أي بلد آخر في مجموعة بريكس. في الوقت نفسه، ارتفع أيضا مؤشر إيبوفيسبا في البرازيل، أحد مؤشرات أسهم الأسواق الناشئة الأخرى ذات الأداء المتفوق، بنسبة 22 في المائة، في حين تحسن أداء مؤشر شنغهاي المركب بنسبة متواضعة نسبيا بلغت 9 في المائة.
وأصبحت الأسهم الهندية باهظة الثمن، بحيث يتم تداولها بمتوسط سعر يزيد 23 مرة ضعف الأرباح في العام المالي الحالي، مقارنة بمتوسط طويل الأجل يعادل نحو 18 ضعفا.
وتعززت الروبية، بارتفاعها 4.6 في المائة مقابل الدولار هذا العام، في الوقت الذي سجلت فيه السندات الهندية أداء جيدا هي الأخرى.
ووفقا لـ “بلومبيرج”، عقب رفع التصنيف الائتماني تراجع متوسط الفرق في أسعار الفائدة بين السندات الهندية المقومة بالدولار وسندات الخزانة الأمريكية 4.3 نقطة أساس، ليصل إلى أقل علاوة للمخاطر فوق سندات الخزانة منذ ما يقارب عقدا من الزمن.
وكثير من هذا التفاؤل مدفوع بنظرة سادت بين المستثمرين مفادها أن مودي لا يزال ملتزما بالإصلاحات الاقتصادية ولديه شعبية كافية تمكنه من تنفيذها. وأظهر استطلاع نشرت نتائجه في الأسبوع الماضي من قبل مركز بيو للبحوث، أن 88 في المائة من أفراد الشعب الهندي لديهم نظرة إيجابية إلى مودي.
يقول بيل فوستر، نائب رئيس وكالة موديز “في العام الماضي تم تطبيق الضريبة المفروضة على السلع والخدمات، وإن لم يكن ذلك بالشكل المثالي، كذلك كان لدينا حقن شامل من رأس المال للمصارف، يُفترَض أن يسمح لها بشطب أصولها المعدومة، كما أعادت الحكومة التأكيد على التزامها بالمسؤولية من حيث الموازنة”. ويضيف “كل هذه الأمور معا بدأت في معالجة بعض الاعتراضات التي كانت لدينا بخصوص الوضع الائتماني للهند”.
ويعتقد آخرون أن الأساسيات الاقتصادية في البلاد، بما في ذلك عدد السكان الآخذ في النمو، والعمالة الرخيصة الوفيرة، والطبقة المتوسطة الآخذة في الاتساع، يجب أن تعمل على تعزيز أرباح الشركات.
يقول كونال ديساي، رئيس الأسهم الهندية في شركة نبتون للاستثمارات “أتوقع أن العامين المقبلين سيشهدان تحسنا حادا في ربحية الشركات. وهذا إلى حد كبير نتيجة مكانة الهند في دورة رأس المال الخاص بها – وهي نتيجة لاقتران التحسن في الطلب، وارتفاع الكفاءة، واستمرار ضبط الميزانية العمومية”.
لكن في الوقت نفسه، كانت هناك أيضا علامات على أن مودي مستعد للدخول في مقامرات اقتصادية تنطوي على إمكانية عرقلة نمو البلاد. ففي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، أعلن عن إلغاء 86 في المائة من الأوراق النقدية في الهند، في الوقت الذي أعطى فيه المسؤولين هذا العام ثلاثة أشهر فقط لتطبيق الضريبة الجديدة على السلع والخدمات، ما يؤدي إلى سلسلة من الأخطاء الفنية والتراجع في المواقف السياسية.
نتيجة لذلك تعثر النمو ليتراجع من 7 في المائة في الأشهر الثلاثة الأخيرة في عام 2016 إلى 5.7 في المائة في الربع المنتهي في حزيران (يونيو) الماضي.
يقول شوميتا ديفيشوار، مدير بحوث الهند في شركة ترستد سورسيس Trusted Sources “هناك نوع من الانفصال بين ما يحصل على أرض الواقع والمبالغات التي تنشأ في الأسواق في الوقت الحالي”. أحد الأسباب وراء استمرارية المسيرة الصاعدة حتى في وجه هذه الخلفية المائجة هو أن المستثمرين المحليين هرعوا إلى شراء الأسهم والسندات في أعقاب تجربة تقليص الأوراق النقدية.
وهم يقولون في الوقت الذي تسببت فيه السياسة المذكورة في خفض الثقة والنشاط الاقتصادي، نتج عنها أيضا طوفان من الأموال التي يجري إيداعها في المصارف، التي تم استثمارها في الأصول المالية.
يقول ديفيد كورنيل، كبير الإداريين الاستثماريين لدى شركة أوشِن ديال، المتخصصة في الأسواق الهندية “أصبحت المصارف تسبح في بحر من الأموال منذ إلغاء فئتي العملة، والأسواق تتلقى المساندة من الصناديق المشتركة المحلية التي كانت تصب المال في الأصول المالية”.
ويضيف “كذلك كان هناك ابتعاد عن الذهب والعقارات، اللذين لم يعودا من فئات الأصول الجذابة كثيرا، لأن المستثمرين يشعرون بالقلق من أن الحكومة يمكن أن تشدد القبضة على الأموال السوداء التي تذهب إلى الذهب والعقارات”.
لكن بعضهم يعتقد أن من غير المرجح أن تستمر عمليات الشراء الأخيرة، خصوصا أن الإقراض من المصارف لا يزال راكدا، والتضخم يتصاعد، ومودي واقع تحت الضغط من بعض أعضاء حزبه للتخلي عن أجندته الإصلاحية والتركيز على الفوز في الانتخابات العامة التي تجري في 2019.

يقول كورنيل “الانتعاش الأخير في أسعار النفط، وتصور وجود تباطؤ في النمو، وأرباح الشركات المتدنية، والتقييمات العالية كل هذه تضع المستثمر الأجنبي – على المدى القصير على الأقل – في وضع سلبي”.

قد يعجبك ايضا