لقاء مع القراء (1): جمالية الحوار الودّي
غادة السمان
من جديــــــد أعود لألتقي القرّاء الذين تتواصل دورتهم الدموية الأبجدية مع كاتب/كاتبة مقـــال طالعوه. وقبل ذلك، أشعر أنني مدينة بوقفة مع صاحب منصب رفيع، لكنه لا يخاطب رفاق الكلمة من علٍ، بل يجيب بمودة واحترام عن بعض انتقاداتهم.
د. أسعد عبدالرحمن: تفسير محق!
من النادر أن تكتب منتقدا كما فعلت في مقالي بـ «القدس العربي» «أين المبدعة الفلسطينية في جوائز مؤسسة فلسطين الدُّولية» ويأتيك الرد ودّيا حاملا معلومات غَفِلْتَ عنها في مقالِك، فقد اعتدنا أن يجد كبار المسؤولين العرب في أي تساؤل حول ما يدور تطاولا، ولذا سَرّني حقا أن «الرئيس التنفيذي لمؤسسة فلسطين الدُّولية» د. أسعد عبد الرحمن ردّ على مقالي بدفء القلب الفلسطيني كله، وبقوة حجته كلها، قائلا إن جائزة الشعر في الدورة الماضية (2016 ـ 2017) حملت اسم فدوى طوقان، وكنت أجهل ذلك، ولذا طالبت به، وإن اقتراحا تم تقديمه للتناوب في جائزة القصة القصيرة بين سميرة عزام وغسان كنفاني، وهو خبر أثلج قلبي لإعادة إبداع سميرة إلى الذاكرة العربية. سميرة وفدوى صبَّتا في نَهَر الأدب العربي دَفْقَة استثنائية من الحيوية الإبداعية والانتماء. أما فدوى طوقان التي أُغرِمت وأنا طالبة مراهقة بإبداعها في «وحدتي مع الأيام» فقد هزني أنها أهدتني في أحد دواوينها قصيدة.
وشكرا للقرّاء الذين زودوني بمعلومات نقدية عن سميرة عزام. أعترف أنني لم أكن قد اطّلعت عليها، كما جاء في رسالة من بولنوار قويدر والكروي داوود وابن فلسطين في الأرض المحتلة رؤوف بدران وأسامة كلية (سوريا ـ ألمانيا) و«ابن النكبة العائد إلى يافا» ـ لاجئ فلسطيني ـ وغاندي حنا ناصر ـ كوريا الجنوبية ـ سيول ـ الفلسطيني في المنفى ـ وأفانين كبه ـ التشكيلية العراقية ـ مونتريال ـ وعمرو ـ سلطنة عمان الذي (كأفانين) يختزن معلومات عن أبجديتي تدهشني بصدق ذاكرتها وتحرج نسياني حتى لبعض ما سبق أن كتبته!
بسام أبو شريف: كتاب جميل عن غسان
وصلني على (فاكس) منشوراتي سؤال من ع. الدرويشي يقول: كنت أتمنى أن تجيبي عن سؤال رؤوف قبيسي لك على ما جاء في كتاب بسام أبو شريف عن سهراتكم في (الحانات) بسام وأنت والشهيد غسان كنفاني، حيث يقول رؤوف قبيسي في سؤاله هذا في حوار معي لجريدة «الأخبار» البيروتية: «يظهر من كتاب بسام أبو شريف عن غسان كنفاني أنكم (أنت وبسام وغسان) كنتم تقضون أوقاتا في مقاهي بيروت وحاناتها ومطاعمها»..!
وبما أنني لم التق يوما غسان كنفاني في (الحانات)، لكنني لم أطّلع على كتاب بسام أبو شريف (المقصود في سؤال الأستاذ قبيسي) الصادر بعنوان جميل «غسان كنفاني القائد والمفكر السياسي» ـ دار رياض الريس ـ بيروت.
أجبت بصدق و«بدمي البارد» «لم أطّلع على الكتاب بعد، وبالتالي لن أعلق عليه كالذين يعلقون على كتاب قبل مطالعته وما أكثرهم».. بعدها اشتريت الكتاب وطالعته ولم أجد فيه كلمة مما ورد في سؤال الأستاذ قبيسي حول (الحانات)، بل جاء ذكري في الكتاب مرة واحدة فقط، في ص 42 في معرض ذكر بسام حادثة وقعت حقا بيني وغسان بحضوره في سيارة غسان في الطريق إلى الغداء حين روى ما حدث، وقول بسام يومها: «توقَّفا، أريد أن أنزل هنا، وأنتما أكملا جنونكما.. لم تُعر غادة كلامي اهتماما، واستمرت في الدوس على دواسة البنزين، وكان غسان يضحك». وبقية الحكاية يطالعها القارئ في الصفحة 44 من الكتاب الجميل لبسام أبو شريف عن غسان. ولم يرد ذكري في الكتاب ثانية وبالذات حول زيارة (الحانات) ولعل الأمر التبس على الأستاذ رؤوف قبيسي وسمع بذلك من شخص آخر ونسبها خطأ لكتاب أبو شريف.
الأديبة ليلى عسيران الحافظ وذلك العشاء!
ثمة أسئلة تفجر نبع الذكريات.. وحقيقة هي: أنني لم أختبئ يوما وغسان في الحانات نصف المظلمة!
مرة كنت وغسان في المقهى الأدبي المزدحم حين نظر إلى ساعته وكانت التاسعة ليلا وقال: يا إلهي! لقد نسيت أنني مدعو للعشاء عند ليلى عسيران وزوجها أمين الحافظ لأنها أعدت لي طبق (الكبة) الذي أحِبّ.
وأصر على أن أرافقه. وهكذا ذهبنا معا فكانت المفاجأة. لقد أقام أمين وليلى وليمة تكريمية لغسان، وحين شاهدت كثرة المدعوين استدرت هاربة، فأمسك بي غسان قائلا: إذا لم تأت معي سأهرب معك!. واشتعلت بعدها الإشاعات. ولكن صلتنا لم تكن سرا ولم يحرص أي منا على أن تكون كذلك.. ولم نلتق يوما في الحانات لا مع (الشهيد الحي) الذي فشل العدو في اغتياله العزيز بسام أبو شريف ولا من دونه.
بغداد… عمر لتعرفها وعمر لتنساها!
رسالة استثنائية الجمال الأدبي كتبها القارئ البغدادي نجم الدراجي، ونُشرت مقالا مستقلا.. وفيها يُذكّرني الأخ نجم بما كتبته إثر زيارتي الأولى إلى بغداد، وكم اشتعلت بالحب الأموي والعباسي أيضا للمستوى بالغ الرقي فنيا (نحتا وتشكيلا) في بغداد وقبل ذلك بدفء قلوب الناس وطيبتهم وسخاء روحهم. وحتى الشاعر عبد الوهاب البياتي جاء يزورني وزوجي في فندق بغداد وديعا كطفل بــــريء يشـــرب بيرة «فريدة» العراقية، وهو الذي اشتهر بسلاطة اللسان ضد بعض الشعراء، وعلى رأسهم نزار قباني. وذهبنا بعدها للعشاء في مطعم «فوانيس».
وكم أحببت تلك (الثنائية) في الروح العراقية التي تغمرك بمنتهى الرعاية أو تذهب بك إلى «قصر النهاية»!!
وإلى اللقاء في الأسبوع المقبل أيضا مع القرّاء..
