نقد النقد: بين معاينة المنهج ومساءلة آفاقه
نادية هناوي
إن تذبذب الناقد العربي في وعيه، بأهمية التمدرس المنهجي، وهو إزاء فعالية ما بعد النقد، يدفعنا إلى التساؤل عن المنهج الذي يطمئن له الناقد، وهو يمارس نقد النقد، ذلك المنهج الذي سيكون الوسيلة الكاشفة أو الأداة الراصدة التي بها يتمكن الناقد من بلوغ مراده من النص النقدي المقروء، ليكون هذا المنهج موصوفا بأنه منهج ما بعد نقدي، ولكن ماذا عن الأساس النظري الذي سينطلق منه مثل هذا الشروع المنهجي؟ وهل للمنهج المزمع اعتماده محددات إجرائية تجعله موصوفا بأنه منهج نقد نقدي؟
وإذا سلمنا بأن الدراسات النقدية تضم حقولا منها، حقل النقد الأدبي الذي هو أكثرها ذيوعا وانتشارا، ويتلوه النقد الثقافي والنقد النسوي والنقد المقارن والنقد الأكاديمي، أو الجامعي والصحافي والتكاملي؛ فأين سنضع إذن الخطابات النقد نقدية التي يكتبها الناقد وهو يتمنهج بالخط السيري، متناولا تجربته الذاتية في النقد، أو يراجع خلاصات عطائه النقدي ومشواره في الكتابة الناقدة، أو يكتب عن ناقد آخر مستعرضا مسيرته في النقد؟
وإذا همَّ الناقد بالكتابة عن مجموعة نقاد، مسلطا الضوء على ظاهرة نقدية معينة.. فما محددات المنهج الأنسب لأداء هذه المهمة، هل هو منهج تأصيلي يتعامل مع الظواهر النقدية بطريقة معيارية؟ أو هو منهج تأويلي يستحضر دواخل الخطاب النقدي ليظفر بمخبوءاته؟ أو هو منهج استنطاقي يتجاوز المعلنات ويغور في المضمرات ما بعد النصية، راصدا ما في الخطاب النقدي من أنساق وتمثلات وهوامش ومركزيات؟
وهل يصلح منهج التحليل في عرض كتاب نقدي معين أو مجموعة كتب نقدية ومراجعته بقصد التيسير على الدارسين؟ وكيف يمكن التعامل مع المقدمات التي تتصدر ترجمات الكتب النقدية الغربية، فهل هي خطابات نقد نقدية؟ وما المنهج الذي يمكن للمترجم بوصفه ناقدا أن يوظفه في سبيل بلوغ الإنتاج النقد نقدي؟
إن أساسيات التوجه المابعد نقدي العربي؛ تتعدد وتتنوع بفردانية كل ناقد واقتناعه الذاتي بفاعلية نظرية ما في التحاور مع الخطاب النقدي ونقده، فمثلا نجد أن الرصد الدقيق الذي قدمه جابر عصفور عن الخطاب النقدي الدائر حول أدب نجيب محفوظ، قد أوصله إلى الوقوف عند المنهج، مبينا سلبيات غيابه في ممارسات نقد النقد عندنا. وفي مقدمة تلك السلبيات النظرة الجزئية في الاستجابة الجمالية للنصوص النقدية، والاهتمام بالبعد التاريخي الضيق أو التطوري، تعاقبا وتجاورا، ناهيك عن فوضى التصنيف الشكلي ومأزق الموضوع والموقف والفرضيات الإسقاطية والتقويمية.
ومع أن الناقد في دراسته ما بعد النقدية عن أدب محفوظ لم يسم منهجه ولم يعط له توصيفا إجرائيا، إلا إنه كان أقرب إلى المنهج الاستقصائي، إذ اهتم بالجزئيات وحشَّد التفاصيل وتقصى الأفكار والمفاهيم وفسّر كل صغيرة وكبيرة وردَّ الفرع إلى أصله والمعلول إلى علته، وهذه النزعة في الاستقصاء والرصد، جعلته يتساءل عن مدى تجانس هذا النقد، وهل يفرض التأمل الطويل أن ينطوي هذا النقد على بنية واحدة؟ أم ينطوي على أبنية متعددة؟ أم ينطوي على فوضى بنائية؟
وكان شجاع العاني قد تنبه منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى النقد عموما، ولهذا وضع دراسة يحق لنا تصنيفها بأنها دراسة نقد نقدية، وقد اتبع فيها منهجا قرائيا ميدانه النقد النصي الأدبي، وإذ لم يقدم الناقد وصفا نظريا لمنهجه القرائي ليدلل على مقصدية الاشتغال ما بعد النقدي؛ إلا إنه مارس قرائية إجرائية للمنجز النقدي النصي العراقي اتصفت بالمراجعة، واقتناص محطات التعاطي النصي مع النصوص الأدبية، وتقديم رؤى عن مواقف النقاد من النقد النصي. ومن ذلك تحديده ثلاثة اتجاهات في هذا الباب: اتجاه تقليدي يرفض المناهج الحديثة في النقد. واتجاه يتبنى المناهج النقدية الجديدة بصورة تامة. واتجاه يعد وسطا يتنكر للبنيوية كأيديولوجية ويفيد منها في بعض مفاهيمها الإجرائية، متوصلا إلى أن هذا الاتجاه الأخير هو ما درج عليه معظم النقاد العراقيين.
ومن النقاد العراقيين الذين اثبتوا ريادة تطبيقية في حقل نقد النقد، الناقد عبد الجبار عباس الذي قدّم كتابات نقدية عن نقاد باحثين وأكاديميين، وكان منهجه في نقد النقد أقرب إلى المنهج التقويمي الانطباعي الذي يتتبع الجوانب الإيجابية والمزالق السلبية. وعلى الرغم من غلبة النزعة اللامنهجية على قراءاته النقد نقدية، فإنها كانت ذات أهمية، لسبب واحد هو أنها ريادية في تسليطها الأضواء على كتابات النقاد، في زمن لم تكن الكتابة النقدية رائجة بسبب محدودية من يحسن ممارستها. ولا شك في إن إدراكه المبكر لغائية نقد النقد، ينم عن وعي ريادي جعله ينقب ويتتبع أوليات ممارسة النقد القصصي في النقد العراقي الحديث.
وقد مارس الناقد فاضل ثامر نقد النقد بدون أن يسميه صراحة، لكنه بناه على منهجية ما ترشح من نظريات الأدب ومناهجها في كتابه «الصوت الآخر الجوهر الحواري» الذي جعل فيه إجرائية نقد النقد متقدمة على النقدين الشعري والقصصي، واهتم فيها بالبحث عن منهجية ملائمة لممارسة نقد النقد تحت عنوان (نحو رؤية نقدية سوسيوشعرية جديدة) وقد سمى تلك المنهجية (منطلقات نقدية جديدة)، مؤكدا على أن ممارسة النقد لا بد لها من ضابط اصطلاحي.
وانطلاقا من إدراك نقدي أصيل بيّن فاضل ثامر أن النقاد يتعاملون مع مناهج النقد إما بالاستسلام السلبي، أو بمحاولة بلورة مزاوجة بين الكشوفات والحاجات الثقافية، ورسم صورة تشاركية للممارسة النقد نقدية تجمع الناقد بالآخر/ القارئ في علائقية قرائية، معبرا عن رؤية منهجية استنطاقية تتلاقى مع انفتاحية الأدب والنقد، ككيانين متصارعين داعيا إلى دمج الأدوات المنهجية والإجرائية مع منظومة القيم. وهذا ما طبقه فعليا في نقده الذاتي لتجربته في النقد، فانتهى إلى مراجعة نقدية ذاتية مفادها تبنيه للرؤية السيوسولوجية والرؤى القيمية، جنبا إلى جنب النزعة الجمالية للاتجاهات والظواهر متأثرا في ذلك بغولدمان ومفهومه لرؤية العالم.
ولم يعترف الناقد عمر عيلان بنقد النقد حقلا نقديا مستقلا، لكنه وجده منهجا أعطاه صفة المقاربة مغلبا الجانب التطبيقي على حساب الجانب النظري، فلم يفرد في كتابه الموسوم «النقد العربي مقاربة في نقد النقد» مساحة تؤطر نظريا مقاربة نقد النقد كمنهجية وتبين آلياتها أو كيفية ضبط عملها أو أساسات اشتغالها. ولم تفارق النزعة التاريخية الباحث وهو يتتبع المنجز النقدي العربي ومشروع الحداثة النقدية، وهذا ما حال دون أن يلتزم بمنهج واحد متأرجحا بين المناهج النصية والمناهج السياقية وظلت أغلب دراساته ملتزمة بالمقاربة النقدية التي لا تتجاوز العرض والتحليل، وأحيانا المراجعة التي لم تفضِ إلى رصد قضايا مخبأة أو دفينة، ولم تحصر اهتمامها بالمادة النقدية، بل وجهت ناظريها صوب المادة الأدبية أيضا عائدة إلى الروايات تلخيصا وإعادة عرض لمادتها.
ومن ألوان نقد النقد الكتابات الصحافية النقد نقدية التي تتم ممارستها في إطار النقد الصحافي، وقد قدم الناقد محمد الجزائري استباقا في طرح هذا التصور الذي يعكس رؤية واعية تجد في المنشور المقالي الصحافي ما يصب في باب المراجعة وإعادة الإنتاج بناء على حوارية التأويل والاستنطاق. وتعد التقديمات أو التصديرات للكتب النقدية المترجمة وغير المترجمة شكلا آخر من أشكال نقد النقد وهي على أنواع فقد تكون تقديما يضعه المترجم لكتاب نقدي غربي ..وقد تكون مقدمات يضعها النقاد لمؤلفاتهم أو مؤلفات غيرهم من النقاد.
٭ أكاديمية من العراق
