الألم النسوي في رواية «عشق البنات» للمصرية هويدا صالح

شبكة وهج نيوز : على الرغم من الدلالة المباشرة لعنوان رواية «عشق البنات» للمصرية هويدا صالح؛ إلا أن مضمونها يتجاوز ذلك في الاشتغال المختلف على مظلومية المرأة وخيباتها الناتجة عن قهر السلطة الذكورية للمجتمع؛ فلمظلومية المرأة وجوه مختلفة تنقلت بينها الرواية؛ التي نبشت في العوالم الخفية للنساء في مراحلهن العمرية المختلفة وتنوعات تجاربهن الحياتية، وعملت على إعادة تفكيك تلك العوالم وقراءة وقائعها وفق رؤية واضحة تجاوزت ما قدّمت مثيلاتها من الروايات التي اشتغلت على معاناة المرأة العربية في مجتمع ذكوري. وزيادة على ذلك؛ فإن هذه الرواية قد كُتبت بوعي يستنهض تعاطف الرجل ووعيه الإنساني في علاقته بالمرأة؛ وبالتالي لم تنهج مواجهة صدامية (قاسية) مع المجتمع كدأب روايات أخرى اشتغلت على الموضوع. 
ما يميّز الرواية، الرؤية المختلفة في الاشتغال على الألم النسوي؛ وهي رؤية لم يسبق لرواية أخرى الاشتغال من خلالها على الفكرة ذاتها (فكرة القهر النسوي) فقد حشدت الكاتبة في سياق الرواية أشكالاً مختلفة من القهر في نماذج عديدة من الضحايا، من خلال قصص مستقلة ومترابطة في آن، بَنَتْ من خلالها سردية الرواية، وعالجتها في خطاب شفيف وواضح مُفعم بطاقة لغوية حيوية مُشعة ساندت كثيراً فكرة الكاتبة، وخدمت رؤيتها وخففت كثيراً من تعقيدات (الحبكة الذكية) التي قد تتشابك خيوطها واسماؤها لدى القارئ خلال محاولته الحثيثة الربط بين القصص وعلائقها المختلفة، لاسيما مع تعدد الحكايات وارتباط وقائعها بذكريات تتعدد معها سياقات السرد والأماكن والأسماء ما يحار معه القارئ وهو يحاول الربط؛ إلا أن الكاتبة كانت بارعة في نسج الروابط الممكنة عبر قنوات السرد المتعدد والمتداخل في الوقت ذاته.
تتمتع هذه الرواية، التي صدرت منها طبعة جديدة 2016 عن دار الراية، بخصوصية موضوعية وفنية؛ فعلاوة على الوجوه المتعددة للمعاناة بتفاصيلها الصغيرة، التي تشكلت في سياق مجموعة من الحكايات مرتبطة بذكريات مجموعة من معلمات إحدى المدارس، وذلك في علاقتهن بالرجل (الأب، الأخ، الزوج، الابناء والآخر)، وببعضهن (الأم، الأخت، زوجة الأب، الزميلة، والأخرى)، وكذا في علاقتهن بأنفسهن؛ وهي الحكايات والذكريات التي ربطت بين مراحل العمر المختلفة (الطفولة، المراهقة والشباب بما فيها مرحلتا الدراسة الثانوية والجامعية والتخرج والعمل والزواج والأمومة أو العنوسة) فدخلت الرواية عوالم نسوة عرفتهن الكاتبة بـ«شلة مها الحُسيني»، وحاولت كشف تعقيداتها تحت ضربات قهر السلطة الذكورية، وكأن الرواية أرادت أن تُجيب على السؤال: ماذا تريد النساء من الرجال والمجتمع؟ وذلك من خلال بسط مسارات الحكايات وإضاءة تلك المسارات بقراءات وتعليقات تختصر المسافات وتتسع معها المسالك، والتي تم تعبيدها بسردية لغوية عالية الوضوح في تعبيرها وتصويرها… وعلى الرغم من اعتماد الكاتبة على الحوار بالعامية المصرية، إلا أن الحوار لم يأخذ مساحة كبيرة بقدر ما أخذته تعليقات وتوضيحات السارد التي من خلالها، سكبت الكاتبة رؤيتها ضمن المضمون الثقافي الذي أرادت الكاتبة أن تحمله الرواية للقارئ. 
كل ذلك من خلال خطاب سردي واع وممتلئ بالفكرة؛ ولهذا ظلت رؤية الكاتبة تتصاعد مع الانتقال من كل قسم من أقسام الرواية؛ وعددها (40) قسماً، بل بقي بريق تلك الرؤية يلمع من أول الرواية إلى آخرها؛ وهي الرؤية التي تؤكد على خصوصية كينونة المرأة وحجم الضرر الذي ينالها جراء قهر المجتمع الذكوري، وهو ما تعاملت معه في بناء سردي متقن، وصولاً إلى صورة واضحة مرسومة بعناية، على الرغم من تنقلها بين قصص مختلفة لكل واحدة من بطلات الرواية (مها، سلوى، غادة، انتصار، علياء، وفاء…الخ) التي استحضرت، من خلالهن، نماذج من الأشكال النسوية، التي أسهم في تشكيلها ظلم المجتمع، فتجد منهن داخل الرواية: الفنانة التشكيلية التي استسلمت في معركتها مع زوجها من أجل الإبقاء على لوحاتها بعيداً عن الصراع، وكذلك الشاعرة التي وصل بها الحال أن تكتب قصائدها سراً وتخفيها في أماكن لا يصل إليها زوجها، والمتطرفة دينياً التي رضخت لخيارات زوج يهجرها لشهورٍ مسافراً مع جماعات متشددة، والمتنمرة سلوكياً في علاقتها مع الآخرين كمحاولة للحفاظ على مساحة من الأمان، وغيرهن ممَن أعطبت حياة القهر والكبت أرواحهن، لكن الكاتبة، على الرغم مما قالته في رحلة كل من أولئك النسوة، لم تضع نهاية لكل حكاية منهن، سواء من خلال تحقيق حلمها أو سقوطها ضحية القهر، بل تركت النهايات مفتوحة على الرغم من وصول بعضهن إلى حافة السقوط؛ وربما أن الكاتبة حرصت على الإبقاء على نسوة الرواية في دائرة الفضيلة؛ وكأنها تقول: إنه في الإمكان إنقاذهن قبل فوات الأوان. لكن الكاتبة، في الوقت ذاته، وضعت معظم نماذج الرجال في روايتها في مناطق سلبية، ولعلها أرادت أن تقول: إن لمظلومية المرأة وجوها مختلفة ناجمة عن جهل الرجل أو تجاهله خصوصية عالم المرأة وماذا تريده منه، نتيجة ثقافة لا بد أن تتغير علاقتها بالمرأة وتقترب كثيراً من الرؤية الإنسانية الحضارية.
استطاعت الكاتبة من خلال بطلة الرواية (سلوى) أن تغوص في مناطق بعيدة في الوجع الانثوي بوجوهه المختلفة من معايشة مظلومية الأم والامتثال لتعليمات الأب والأخ، مروراً بالزوج وانتهاء بوعي وثقافة ونظرة المجتمع، التي يستمر معها نزيف القهر الذي لا تملك الأنثى لمواجهته سوى ممارسة الكبت كرد فعل، من خلال حجرة مظلمة في أعماق الذات ترمي فيها كل مخلفات الألم الذي يرافقها… ولعل الكاتبة كانت بارعة في فتح تلك الحجرة والنبش فيها منذ استهلال الرواية؛ فبدأت الكاتبة وقالت في نحو صفحتين، قبل بدء الحكايات، ما شرحته الرواية، من خلال سرد برعت فيه بالمزج بين الحسي وغير الحسي في التعبير عن مستوى القهر الذي تتجرعه المرأة؛ كما تميز سردها بمهارة الاختزال والتعبير المكثف ومعه تنقلها الزمني الذكي؛ فكانت تقول الكثير في قليل الكلمات في تصويرها للألم، وقد تحول إلى جزء من حياتها وقيداً ورقيباً على ذاتها… حتى أصبحت لا تُجيد سوى تكوير الأشياء والقائها في جوفها في تلك الحجرة المظلمة… لكن هذه الأشياء المُبعدة قسراً تتحد ضدها لتصنع منها كائناً آخر يلتهم روحها… وبعد كل ذلك تؤكد الكاتبة: لا شيء هناك، هناك لا شيء سوى رجل تزوجك وأغرقك بحنانه وعطفه، واعترف بحقك في الحياة لكن روحه سلبتها كائنات ما تسللت إليه عبر القسوة والقهر فلم يزد على الصمت. وتختتم قائلة: لتعرفي أن كل شيء هناك، فقط مدي يديك وأخرجي كرات اللهب وشكليها من جديد لتكون برداً وسلاماً؛ فكثــــيرون جداً يعيشون في الحياة، ولكن أحـــداً لم يعرف كيف يبقى بعد الموت.
ولعل الكاتبة حاكمت رؤيتها في الرواية في القسم الـ(39)، وكأنها بهذه المصارحة تريد أن تنتقد معالجتها الدرامية لمسارات الرواية وترد على تلك الانتقادات، وذلك من خلال ما يشبه المكاشفة مع بطلة الرواية التي تقول للكاتبة: ماذا تريدين مني؟ تريدين رسم روحي بحروف وكلمات لا معنى لها. لست قادرة على الإمساك بروحي…أنت لا تجيدين رسم النساء فلِمَ الإصرار على مهارة لا تملكينها؟
وتتحدث إليها في كونها بالغت في تصوير زوج (مها الحسيني) ولم تجرب أن تنظر في عيون (غادة) مثلما لم تتح لها مساحة من الحرية… على اعتبار أن الكاتبة لم تمنح لنسوة رواياتها مساحة الحرية المطلوبة، حرصاً منها على أن تجعل القارئ يتعاطف معها… وطالبتها ألا تقدم مبررات لما تسمونه سقوطاً «فأنا لست ساقطة. ولست امرأة عُذّبت برجل ما قهر روحها. ولا زوج لي يقهرني. ولا أخ أكبر مارس عليّ الضغط والحبس. ولا أب تخلى عن أمي أو عاملها بقسوة. أنا بنت عادية خالص. تربيت في أسرة عادية ومستقرة وتزوجت رجلاً لم أستطع تحمل ثقل روحه عليّ؛ فتصرّفت بمنتهى الشجاعة وطلبت الطلاق، وأعيش حياتي وفق صورة رسمتها وحددتها أنا بدقة ولا فضل لأحدٍ في صناعة إطارها».

وترى أن كل نساء الرواية بائسات معذبات بحرية متوهمة، حرية لم يستطعن دفع ثمنها صنعت خطوط شخصياتهن بدقة وقصدية، جعلت كل نساء الرواية فاضلات ومقهورات… بينما لو وضَعَتهن في تجارب حقيقية فأنهن سيسقطن؛ وهنا تؤشر الكاتبة إلى معاناتها ككاتبة من مجتمع يُعيد قراءة ما تكتبه وفق رؤيته؛ وبالتالي فمن سيقنع هؤلاء الخبثاء الأشرار حد تعبيرها الذين سيشهرون يد الاتهام في وجهها بمجرد أن يقرأوا ما تكتبْ… والذين سيضحكون ويقولون في سرهم، امرأة مُتحرِرة تُعرّي روحها. لقد حملت الرواية جرعات من الألم النسوي، لكن هل كان ذلك الألم بجرعاته تلك مناسباً لعكس تجارب الألم في الواقع؟ قد يكون واقع القهر النسوي أكثر ألماً مما في الرواية، وهو ما تحفزنا الرواية لفتح عيوننا عليه سعياً لمعالجته بوعي انساني.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا