«القصيدة» الإسرائيلية لعهد التميمي و«الانهراء» العربي
سهام داوود
لا «القصيدة» قصيدة، أما الزوبعة ففي فنجان.
الحكاية عن «قصيدة»، لم تكن، للشاعر الإسرائيلي، او الأصح «كاتب الأغاني» يونتان جيفين . فقد كتب نصًا كما تكتب التغريدات على «انستغرام» طاب لبعضهم أن يسميها قصيدة. وكان ذلك في 23 يناير/ كانون الثاني.
وقد قال فيه:
فتاة جميلة، في السابعة عشرة، ارتكبت أمراً فظيعاً،
وعندما داهم ضابط إسرائيلي فخور منزلها، مرة أخرى، قامت بصفعه.
لقد خُلقت داخل هذا المعمعان.
وفي الصفعة تلك، 50 عاماً من الاحتلال والإذلال».
في اليوم الذي ستروى فيه حكاية الصراع، ستكونين أنت، عهد التميمي، حمراء الشعر،
مثل داوود الذي صفع جالوت،
على الصف نفسه،
مع جان دارك، حنّه سينيش وآنّه فرانك».
اما وزير «الأمن» الإسرائيلي، الذي لا يتمتع بذكاء يُذكر، فقد كتب عبر مواقع التواصل الاجتماعي رد فعل متهور هاجم فيه يونتان جيفين قائلاً : «لقد أصدرت تعليماتي إلى قائد إذاعة الجيش لوقف بث أغنيات يونتان جيفين ، وكذلك وقف إجراء مقابلات معه، في كل برامج المحطة، وأدعو وسائل الإعلام في إسرائيل إلى القيام بالأمر نفسه». وأضاف بأسلوبه النزق: «إسرائيل لن تمنح منبراً لسِكّير يقوم بمقارنة طفلة قُتلت وقت المحرقة أو محارِبة بطلة قاتلت النظام النازي، مع عهد التميمي، الشقية التي هاجمت جندياً».
أما رد فعل أحد أبرز المذيعين في إسرائيل، إن لم يكن أبرزهم، رازي بركائي، وله برنامج يومي في «إذاعة الجيش» ذاتها، في مواضيع الساعة، فقد كتب حالاً عبر حسابه في «تويتر»: «يونتان جيفين ، صديقي بمثابة أخ لي، أخطأ. لا تمسّوا ذكرى آنّه فرانك. أما خلاف ذلك فإن «الخروف السادس عشر» (إحدى الأغنيات الشائعة جدًا بين الفتية في إسرائيل ومؤلفها هو يونتان جيفين)، فستبقى أكثر بكثير من «إيڤيت» (اسم أفيجدور في روسيا بلده الأصلي، في إشارة واضحة). وزير الأمن، ليكن من كان، فلن يستطيع إصدار الأوامر بما يذاع أو لا».
وفعلاً غداة اليوم وفي برنامجه الشهير استضاف رازي بركائي في افتتاح برنامجه، الذي يذاع صباحًا، المغنية الشهيرة يهوديت رافيتس، لتغني أغنية شهيرة جدًا مؤلفها يونتان جيفين نفسه؛ «أحلى بنات الروضة». ما معناه ان أوامر وزير «الأمن»، الذي من المفروض أن وزارته تسيطر على «إذاعة الجيش»، فلم تسر من أول دقيقة على إصدارها. ومن جانبها، أصدرت «وزارة العدل» الإسرائيلية بياناً أكدت فيه أن أفيغدور ليبرمان «لا يملك سلطة قانونية للتدخل في محتويات بث الإذاعة».
طيّب.. واحنا مالنا في كل هذه الزوبعة الفارغة؟ التي أثبتت، أهم ما أثبتت، مرة أخرى، ان هناك صحافيين إسرائيليين شجعانا، حتى إن بقوا قلة في مجتمعهم، يتصدون لتكميم الأفواه والعسف ومخالفة القوانين؟ ولماذا «انهرأت» وسائل الإعلام العربية، وانجلطت وسائل التواصل الاجتماعي باللغة العربية، في الكتابة عنها، وما هي إلا حوار إسرائيلي داخلي لا شأن للمجتمعات العربية والفلسطينية به؟ وسؤال استفزازي: ألن يعتذر الآن من سارع و»انهرأ» من صحافيين وكتاب بوستات وراء ما سمي قصيدة وكأنهم ملاقيين لقية؟ لن يفعلوا طبعًا وأسبابهم معهم.. وربما يكون هذا الإعلان يُعلن للمرة الأولى باللغة العربية. على الأقل ليحجبوا بوستاتهم.
لماذا؟
لأن «الشاعر»، موضوع الزوبعة يونتان جيفين (وهو بالمناسبة أحد أقارب وزير «الأمن» الإسرائيلي، جنرال حرب يونيو/حزيران 1967، موشيه ديان)، ببساطة شديدة، اعتذر عمّا كتبه – بدون لف أو دوران- وجاء ذلك في لقاء له في نادٍ ثقافي، يوم 28 يناير/كانون الثاني، أُذيع على التلفزيون الإسرائيلي، وليس صدفة، يعني تقصد أن يفعل ذلك ببث مباشر، وشاهدته شخصيًا، كما أنني أعرف الشاعر شخصيًا. يعني لا لبس في الموضوع. الرجل قدّم اعتذاره. ثم قال ما هو أسوأ من إساءة. قال حرفيًا: كانت غلطة، واعتذر إن مست أقوالي المشاعر، لأني قارنت الفتاة الفلسطينية ببطلاتنا حنّه سينيش وآنّه فرانك. ربما كان عليّ أن أُقارنها بـ (جال جادوت). ولمن لا يعرف (جال جادوت) – هي كانت إحدى ملكات الجمال الإسرائيليات وعارضة أزياء وحسب، الى أن أوصلتها ماكينة السينما الهوليوودية والإعلام الصهيوني لتصبح «نجمة سينمائية»، مستمرئين ومستخدمين كونها كانت جندية في الجيش الإسرائيلي (ولم تعرف لها مواقف مناهضة للاحتلال مثلاً) ، وكان أن «مثلت» في فيلم الآكشن الرديء «امرأة خارقة».
على فكرة.. هذا الفيلم الذي بطلته هذه الجميلة / العارضة / المجندة الإسرائيلية / الممثلة / – على الرغم مما كُتب في ذم الفيلم – لم تجد سينما (برج فلسطين) في رام الله، حال بدء حملة عروضه الافتتاحية، غيره، لترفّه به عن الشبيبة الفلسطينيّة.
إرحمونا يا ناس..
أما من استوقفه تعبير (انهراء) فهو تعبير دارج في العامية الفلسطينية تعلمناه من أهلنا وأجدادنا، يُذكّر بالهراء، وإذ بها كلمة فصيحة.
فقد جاءٓت في «لسان العرب»: هَرَأَ في مَنْطِقِه يَهْرَأُ هَرْءاً: أَكثر.
وقيل: أَكثر في خَطَأ أَو قال الخَنا والقَبِيحَ.
والهُراءُ، مـمدود مهموز: الـمَنْطِقُ الكَثِيرُ،
وقيل: الـمَنْطِقُ الفاسِدُ الذي لا نِظامَ له.
بالضبط.
شاعرة فلسطينية
