المحامي سامر أبو شندي: مع عبـد الناصر

المحامي سامر أبو شندي

كنت أحب أن أكتب عن جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته التي مرت في 28/9/2017 حيث كنت وعلى صفحات هذه الصحيفة الغراء قد كتبت مقالا بعنوان ناصر 56 في 28/9/2016 لكن انشغالات الحياة حالت دون الكتابة في نفس التاريخ لكنني هنا استدرك لأكتب هذه المقالة في مئوية ميلاده لإنصاف الزعيم الخالد من سنوات التشويه في سيرته العطرة حيث سأستهل هذه المقالة باقتباس من كتاب يحمل نفس عنوان هذه المقالة لأحد أهم الضباط الأحرار و هو الفريق المرحوم أمين هويدي إذ يقول في مقدمة الطبعة الثانية الصادرة في 20/8/1984 (( و انتهت الطبعة الأولى  من الكتاب ((مع عبد الناصر))بعد فترة قصيرة من صدورها  و تفضلت دار ((المستقبل العربي)) بإصدار الطبعة الثانية من نفس الكتاب ليكون بين يدي القراء في عيد مولد عبد  الناصر .

و قد صدرت الطبعة الثانية في ظروف شاذة  كانت الهجمات على عبد الناصر مركزة شديدة عاصفة تشوه كل أعماله ، و تشكك في كل اتجاهاته . و كان الرئيس السادات بنفسه يتزعم الجملة المؤسفة مستخدما صحافته و أجهزة إعلامه و مساعديه .

و كان من نتيجة ذلك غياب الحقيقة و انزوائها أمام سحب التشكيك التي غلفت كل شيء، و لم يعد الناس يعرفون حقيقة ما حدث أيام عبد الناصر العظيم . و من المؤسف أن كثيرا ممن يعرفون الحقيقة ترددوا في التصدي  لما يقال ، و عزفوا عن أن يقولوا كلمة الحق في وقت كان الناس يريدون أن يتبينوا و يعرفوا )) نهاية الاقتباس.

تجدر الاشاره الى ان الفريق امين هويدي تولي الدفاع و المخابرات بعد حرب 1967 و قاد جهود إعادة بناء القوات المسلحه وهو خبير متخصص ، كان كذلك من نتاجاته العسكرية خطة الدفاع عن قناه السويس عام 1956 إبان العدوان الثلاثي كما ان له آراء  تحترم في خطة الدفاع والاستراتيجيات في البحر الاحمر ضد العدو الصهيوني .

وقد يقول قائل إن إيراد ما يكتبه اصدقاء عبد الناصر المقربون لا يصلح بالضرورة للدفاع عن عبد الناصر لانهم كانوا في الدائرة المقربة منه وآراؤهم  لا تخلو من أغراض شخصية ، لذلك أورد  هنا ما  شهد به أشخاص من خارج مصر .

أورد ما شهدت به شخصية كبيرة من نابلس الفلسطينية الأبية وهو المرحوم حافظ داوود طوقان مؤلف كتاب(( الزعيم جمال عبد الناصر باني السد العالي)) والذي شارك في الندوة العالمية التي عقدت في القاهرة في 28 سبتمبر 1995 بمناسبة مرور ربع قرن على رجل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر ، والذي  ظل وفيا للقائد الخالد من بعد ان  رحل عنا عبد الناصر مكانا فكتب حافظ طوقان ((وصلت القاهرة في 18 يناير (كانون الثاني) 2004 ودخلت من بوابتها التي اعتدت الدخول منها  ، بوابة جمال عبد الناصر ، فزيارة الضريح  وقراءة الفاتحة وقلت لأبي خالد يا قائدنا ويا زعيم هذه الأمه في حياتك وبعد رحيلك أتيت ساعياً إليك وأنت في جنات الخلد في رحاب الله لأرفع من روحي المعنوية ولأحول دون كسر إرادتي ولأردد الشعار (( ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة  هكذا علمتنا )) .

تجدر الإشارة إلى ان حافظ طوقان توفي في السنة التي تلت الزيارة في 24 أغسطس / أب 2005 وبرحيله غابت عن عالمنا قامة وارفة الظلال ورجل بؤمة حيث قيل في حافظ طوقان (( لم يكن وحدوديا في المناسبات ولا تبعا لبرنامج أو تعليمات حزب أو حركة أو جماعة وإنما التزم بالنهج الوحدوي لأنه مواطن يدرك ان نهج الوحدة يعني القوة والكرامة والحياة ونهج الانقسام يعني الضعف والموت والهوان ظل قابضا على التزامه بوحدة الامة والوطن في ذورة استشراء جرثومة النزاعات الانفصالية التي تسويقها بدعوى الاستقلال (( الموهوم المسموم )) نهاية الاقتباس .

كان هذا ما قاله السيد زهير الدبعي على صفحات جريدة القدس العربي يوم 24/8/2006 في الذكرى الأولى لرحيل حافظ طوقان ، نعم هذا هو عبد الناصر وهؤلاء هم من كتبو عنه .

لقد كان عبد الناصر وما يزال يعني الوحدة والقوة والمبادئ وهو من توحدت وتماهت في ذاته كافة حركات التحرر الوطنية في العالم  فخرج عن محدوديته البشرية  إلى مستوى المعنى والرمز وفي هذا السياق أجد من الضرورة الإشارة إلى ما قاله مرشد الثورة الايرانية الامام علي الخامنئي (( كنت معتقلا في سجون الشاه الذي كان يكن لعبد الناصر الكراهية الشديدة ولاحظت في اليوم الحزين لوفاته حالة ابتهاج في السجن بين الضباط والحراس وعندما سألت عن السبب علمت بوفاة الرئيس عبد الناصر واقسم بالله أنني بكيت عليه كما لم ابك على ابي وامي لقد كان الزعيم الوحيد الذي ساعد الامام الخميني وأمد الثورة بالمال والسلاح وقواعد التدريب مثل رحيله خسارة فادحة للعالمين العربي والإسلامي وللعلاقات بين مصر وإيران الثورة )) .

وبعيداً عن السياسة فانه يروق لي في ذكرى مولد ابي خالد ان أسوق بعض الصور الأدبية التي رسمها الأدباء المعاصرون للقائد جمال عبد الناصر فالكاتب والوزير السعودي غازي القصيبي يقول في روايته (شقة الحرية ) وعلى الصفحة رقم ( 350) منها :  (( استقبلهم موظفو التشريفات  على مدخل القصر وقادوهم إلى الصالة الكبرى اصطف الأدباء في انتظار الرئيس أحس فؤاد باللهفة تتجمع في الجو ثم تتحول إلى كتلة صلبة تضغط على الصدور بغتة دب تيار كهربائي في الصالة دخل عدد من الضباط ثم دخل الرئيس وبجانبه يوسف السباعي ضجت الصالة بالتصفيق : وابتسم الرئيس ومر على كل وفد يصافح كل عضو ويتبادل جملة أو جملتين مع رئيس الوفد وارتشف فؤاد بعينيه ووجدانه كل التفاصيل الوجه الأسمر الذي يبدو ألان أوسم مما يبدو في الصور البريق النفاذ الذي يشع من العينين البقعتان الرماديتان تحت العينين الشيب في الفورين أكثر بياضاً من الصور البدلة الزرقاء الداكنة الكرافتة الزرقاء المخططة بالأحمر ((يزعم قاسم ان كل كرافتات جمال عبد الناصر من ماركة سولكا وانه أحصى ما لا يقل عن أربعمائة كرافتة مختلفة من صوره ) جرح الحلاقة الصغير على الذقن .

وقف الرئيس أمام الأستاذ وقال يوسف السباعي :

  • سيادة الرئيس ! هذا الأستاذ إبراهيم العريض أديب البحرين الكبير ابتسم جمال عبد الناصر ومد يده:

  • أهلا وسهلا . أهلا بك في بلدك .

إلا ان الأستاذ الذي تحرر ألان من سجن المتنبي لم يكتف بالمصافحة هجم الأستاذ على جمال عبد الناصر واحتضنه ثم قبل جبهته اخذ جمال عبد الناصر ثم قال :

  • سمعت انك كتبت ملحمة هايلة عن فلسطين )).

أما كاتب هذه المقالة المحامي سامر أبو شندي فيقول في روايته طواحين الهوا التي نشرت في دار نور للنشر في ألمانيا  في الصفحة التاسعة منها : (( ………  وسرعان ما صرت مأخوذاً بتلك الفرحة حتى أصبحت في واد والحضور في واد آخر, ولم أصحو من تلك  الغيبوبة إلا على التصفيق الذي ضجت به القاعة بعد إنهاء المحاضر كلمته, وأحسست أن الحضور يصفقون لي على قراري بالحديث مع سعاد التي لمحتني وأنا اقترب منها بكل حزم وبدا التوتر في تلك الأعين السوداء :  مرحباً يا سعاد ، كان ما بدأت به الحديث .

فقالت : وتعرف اسمي أيضا ؟

فقلت: ولو، أنت إبنة أحد قادة حزبنا.

وما أن عرّج حديثنا على عبد الناصر حتى سرى تيار الارتياح بيننا حينما قالت أنها تكن للقائد عبد الناصر احتراماً كبيراً وأنها تتمنى أن ينجح مشروعه في المجهود الحربي الذي من المتوقع إن يمحو آثار العدوان.

كنا نتحدث عن عبد الناصر وكأنه لا يزال حياً.

فقلت : لك أن تطمئني, إن أول درس  يمكن أن يتعلمه العربي من قائده عبد الناصر هو المثابرة و السرية و الحركة المناسبة في الوقت المناسب. وأسهبت في الحديث عن كيفية إدارته لملفات السويس و قرار تأميم القناة, كان حديثي هادئاً واثقاً ينضح بالثقة والتفاؤل…..)) .

تجدر الإشارة إلى ان الأحداث التي تناولتها الفقرة السابقة من وراية طواحين الهوا تدور في سنة 1972 أي بعد وفاة عبد الناصر بسنتين لكن البطل عدنان يتحدث للبطلة سعاد عن جمال عبد الناصر وكأنه لا زال حيا ويكون لقاؤهما على هامش حفل توقيع كتاب           ( ارفع رأسك يا أخي ) وتوافق أرائهما حول عبد الناصر هو سبب سريان تيار الارتياح بينهما وتقاربهما .

واختم هذه المقالة بهذه الابيات العذبة للشاعر الكبير نزار قباني حيث انشد في القائد الخالد قائلا :

قتلناك يا أخر الانبياء .

…… قتلناك .

ليس جديدا علينا

اغتيال الصحابة والاولياء

فكم من رسول قتلنا

وكم من أمام ذبحنا وهو يصلي صلاة العشاء

فتاريخنا كله محنة

وايامنا كلها كربلاء

نزلت علينا كتابا جميلا

ولكننا لا نجيد القراءة

 

قد يعجبك ايضا