أ.د.كامل خالد الشامي: حكاية عاشق في فصل الخريف
أ.د.كامل خالد الشامي
في الخريف تجرفني الذكريات الي شواطئ منسية وخلجان مهجورة وتذكريني ببيوت الرمل المهدمة التي كانت تسكنها أحلام الأطفال وبساطتهم , وتعيدني الي لوحات أغلقت عليها الذاكرة منذ فترة طويلة خزائنها فأصبحت صامتة صماء قابضة علي ما فيها من قهر ومعاناة وآهات وكاتمة علي صرخات الألم.
تحركني من داخلي تلك الصورة الفسيفسائية التي بقيت في الذاكرة , وتزداد بها الشروخ عاما بعد عام, لتستيقظ وتطلب مني أن أعيدها الي صخب الحياة وأجواء الخريف المتغيرة والخادعة, لكني وبقدر استطاعتي أتسلل من بين الدمعة الحزينة مع صورتي ولوحاتي الي عالم الخريف ومن بين أوراق الشجر التي تتساقط مرغمة لتندفن في الزمن قسرا, وتنتقل مع الريح لتهبط أخيرا في زمن ليس لها عليه سلطان.
أشتم رائحة الخريف من أوراقة المتساقطة بألوانها المتواضعة وان كانت في نظري باهتة تارة وصاخبة تارة أخري إلا أن لهذه الألوان رومانسية خاصة تتميز بها عن بقية الرومانسيات الفصول الأخرى ,اشتاق الي الأزهار التي تغيب للتهيأ للعودة في الربيع واشتاق الي طفولتي التي ذهبت مسرعة مثل تلك الأوراق التي كانت تقفز مع الزمن, ومثل تلك الدموع المقهورة لغدر حبيب أو غياب لعاشقة اختفت عن المشهد فجأة.
في فصل الخريف تتجرد شجرة اللوز صاحبة الفخامة بأزهارها البيضاء من أوراقها ويغيب عنها طنين النحلة التي كانت لا تفارقها, ويصبح لحاؤها أشد ضراوة وقسوة ليعبر بها الي قطرات المطر القادمة حتى ولو بعد حين.
وفي فصل الخريف عندما تعبر السماء سحابة غريبة فتسقط أمطارها علي الأودية وتعبأ البرك الصغيرة المتعطشة, وهنا تختلف الصورة عندما تسقط فيها الأوراق التي يتخلي عنها الريح فتكتسي بألوان الخريف, ويتحول المشهد أي فرحة عندما تصبح البرك بحيرات صغير تعبؤها السفن الورقية التي صنعتها أيادي أطفال لم يعودوا أطفالا, يحركونها في كل الاتجاهات بغصن شجرة وجد في الجوار مأخوذ من أشجار متراصة علي ضفاف الأودية, ثم تختفي البحيرات الصغيرة ومعها سفن الأطفال وكل ما في المشهد كان تعبير عن فرحة عارمة ولقاء مع أولاد الحارة.
عندما يحل غروب الخريف ويصبح قرص الشمس قريب بعيد يلامس الأفق, وتتلون السماء بألوان المساء, تشعر برعشة الحنين تتسلل الي ذاكرتك تفتش عن لوحة كنت جزءا منها تنفض عنها غبار الزمن وتعيدك إليها, ولكن هيهات أن يعود بك الزمن الي الوراء, مجرد أحلام يقظة.
ويختلف الخريف عن الخريف, عندما كانت جدتي تداوي بالأعشاب وتشعل النار وترمي فيها الملح لتطرد الشياطين وتمنح جاراتها قروض بدون فوائد, وتشعل السراج , وتطلب من أولياء الله أن يعيدوا لها ابنها الغائب وهو والدي,كانت جدتي تقوم مقام الدولة دون أن تعرف الدولة.
واليوم في هذا الخريف نعيش الحصار والانقسام والفقر وغياب الكهرباء ونقص الدواء والتشرذم والانحسار الفكري والانحباس الاجتماعي.
فما أجمل خريف جدتي ,وما أجمل لوحات الماضي, وما أجمل شجرة اللوز في فصل الخريف صاحبة الفخامة والأزهار البيضاء.وتبا للحنين يعيدنا للأشياء ولا يعيد الأشياء إلينا.
[email protected]
