الهروب من السياسة
أنظر بداخلي، فأرى الاهتمام بقضايا الوطن تتغير معانيه يوميا.
هل لدي حقا ما أستطيع أن أقدمه عن بعد إن قراءة لأحوال السياسة والمجتمع أو بحثا عن فرص للعودة إلى مسارات ديمقراطية؟
هل تستدعي أحوال مصر الكتابة المنتظمة، وكل ما بها يشير إلى اشتداد عود حكم الفرد وتواصل صعود السلطوية وسطوة لا تتراجع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتنفيذ لبعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية وتمسك بسياسات أخرى محدودة الجدوى؟ ثم لمن أتجه بالكتابة عن مصر، إلى نظام حكم لا يستمع إلا لخدمة السلطان، أم إلى فئات من المواطنات والمواطنين يؤيدون الحاكم الفرد الذي رفعوه إلى مصاف المنقذين ويضعون على عاتقه آمال الاستقرار والأمن ويتجاهلون انتهاكات الحقوق والحريات ولا تعنيهم تلك المسمى «ديمقراطية» من قريب أو بعيد، أم إلى المصريين الآخرين الذين يرفضون الظلم ويعانون من غياب الحرية ويقاطعون أحداث السياسة (الانتخابات الرئاسية 2018 نموذجا) ويعزفون عن الشأن العام ويعيشون في عوالم منفصلة نفسيا واجتماعيا عن الفئات المؤيدة عن الحكم والحاكم، أم إلى بني وطني الذين صاروا مثلي من رواد المنافي ويتبنون إزاء أحوال مصر الجامد من المواقف إن تأييدا أو رفضا أو عزوفا؟
أضحت تلك أسئلتي التي لا تفارقني، وبات الشك في جدوى الكتابة عن أحداث السياسة وأوضاع المجتمع المصري رفيقا دائما.
أذهب إلى الهوامش، بل أهرب إلى هوامش اهتماماتي كاتبا هنا عن قضايا سياسية واقتصادية وإنسانية أوروبية موظفا ذلك الشق في حياتي الشخصية والمهنية الذي يربطني بألمانيا وما يدور بها وحولها في بلدان الاتحاد الأوروبي، ومدبجا هناك مقالات عن السياسة الأمريكية وتقلباتها في ظل وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض ونخبته القادمة من خارج أطر الحكم التقليدية، ومستدعيا في مقام ثالث لتخصصي في العلوم السياسية لصياغة بعض الأفكار عن الأزمة العالمية للديمقراطية وصعود الحكومات السلطوية والموجة الشعبوية بمكونيها العنصري واليميني المتطرف التي تجتاح الغرب الأوروبي والأمريكي.
أفعل ذلك بين الحين والآخر في مقالاتي، وأنا لا يعنيني عقلا ووجدانا غير حال مصر التي يضنيني تمكن السلطوية من مفاصلها وضعف الحركة الديمقراطية في المتبقي من حياتها السياسية ومجتمعها المدني.
أفعل ذلك، وأنا بعد مصر لا أفكر سوى في مآلات الأوضاع العربية بين الانفجارات المتتالية للحروب الأهلية وللصراعات العسكرية في اليمن وسوريا وليبيا والمآسي الإنسانية الناجمة عنها، وبين فلسطين ذات الجرح النازف وشهداء اليوم وكل يوم الذين ما عاد يتحدث عنهم أحد، وبين يوميات الحكومات السلطوية الممتدة من الخليج إلى المحيط وأصبحت تشكل في نظر الكثير من العرب الضمانة الوحيدة للاستقرار والأمن ومواجهة الإرهاب في شرق أوسط يعيش منذ سنوات على فوهة بركان وفي نظر آخرين حائط الصد الأول ضد آمال المواطنين العرب في حكم ديمقراطي وشيوع قيم الحرية والكرامة والعدل التي ليس لغير المنتخبين ديمقراطيا والمراقبين مؤسسيا وشعبيا أن يأتوا بها.
أذهب إلى هوامش أخرى، هوامش الكتابة عن الأعمال الأدبية والفنية وتقديم عروض تارة لكتب وتارة لأفلام سينمائية وأعمال مسرحية أيقظت وجداني وخاطبت عقلي.
لست في هذا السياق من الهاربين أو المتهربين، بل أقلب في دفاتري القديمة والجديدة مؤملا في زاد يعينني ويعين القراء من المصريين والعرب الذين يقفون في نفس خانات الشك ويراوحون بين العزوف والهروب والمقاومة على تذكر جمال الحياة وحقائقها الكبرى التي دوما ما حملت للشعوب المقهورة انفراجات غير متوقعة وحرمت المستبدين من البقاء الأبدي في مواقعهم أو قضت مضاجعهم على الأقل. بالأدب والفن السينمائي والمسرحي معين لا ينضب للتعامل مع مراحل الشك بصبر يحول بين المرء وبين الاستسلام، بينه وبين تغيير الموافق المبدئية، بينه وبين اليأس من أن يستيقظ يوما ليسمع عن استعادة بني وطنه لتوازنهم الأخلاقي والإنساني المفقود بحيث ينشدون الاستقرار والأمن ويرفضون الظلم والانتهاكات ويطلبون الحرية للمقهورين خلف الأسوار، ويرى جذوة الحرية والعدل وقد عادت ترفرف فوق الوجود العربي كما فعلت في 2011 مهما كانت لحظات الاشتعال قصيرة ونتائجها أبعد ما تكون عن مرغوبة. معين الأدب والفن يحميني من الاستسلام لفقدان الأمل في أن ألفي نفسي يوما عائدا إلى بلادي ومنهيا لأيام الغربة اللعينة.
فتحملوني أعزائي القراء، وأقبلوا المراوحة في كتاباتي بين السياسة وأضدادها.
٭ كاتب من مصر
