النتائج المعروفة وما بعدها
منذ سنوات طويلة غابت حالة الترقب التي كانت تصبغ فترة ما قبل حلول شهر رمضان المبارك بعد أن دخلت التكنولوجيا على المشهد وغيرت من طريقة الحساب وأصبح الموعد معروفا بشكل شبه مؤكد قبل استطلاع الهلال. وربما لهذا السبب نفسه أصبحت الفرحة خاصة ومضاعفة عندما يأتي الإعلان عن الشهر مخالفا للموعد المفترض فلكيا لأنها الحالة الوحيدة التي تأتي خارج المتوقع وتحقق قيمة الانتظار وتثير ارتباك المفاجأة. على الطريقة نفسها تغيب مع غياب الديمقراطية أشياء كثيرة منها حالة التنافس الحقيقية التي يمكن أن تأتي بنتائج غير معروفة سلفا، ونصبح أمام مشهد تم رسم تفاصيله في غرف مغلقة، ولا تختلف نتائجه النهائية إلا في التفاصيل التي تختلف حسب رغبة الحاكم ومن حوله في الظهور بالشكل المتواضع الذي يقبل بنسب معقولة للنجاح، أو الحاكم الراغب في الحصول على الإطار الكامل الذي يؤكد من خلاله على سيطرته التامة على الحكم وتأكيد حب الجماهير المطلق والحصول على كل الأصوات الممكنة.
بدورها لم تختلف الانتخابات الرئاسية المصرية، التي تعلن نتائجها في الثاني من أبريل/نيسان الجاري عن تلك الحالة، لدرجة أن بعض الأخبار التي نشرت على هامشها لا يمكن التحقق منطقيا حدوثها من عدمه، وتبدو أكثر ملائمة للأول من أبريل/نيسان بوصفه موعد الكذبة الشهيرة خاصة التصريح الذي أكد على انتخاب المرشح الرئاسي موسى مصطفى موسى للمرشح المنافس عبد الفتاح السيسي لأنه لم يستطع أن يرى اسمه وصورته ويتذكر إنجازاته ولا ينتخبه.
تكتشف كيف يأتي الواقع بصور أكثر كوميدية من قدرة الكتاب أحيانا على التصور خاصة وأنه كوميديا الواقع التي نعيشها وندفع ثمنها مرات مضاعفة من عمر الوطن وموارده. وإنْ كان المرشح الوحيد يعلن عن ترشيح منافسه، معيدا مرة أخرى مشهد الحاج الصباحي والرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الشهير في انتخابات 2005 إلا أنه لم يكن المرشح الوحيد لأن مبارك نفسه استطاع إخراج مشهد أكثر تنوعا من انتخابات 2018.
على هامش كل هذا يبدو من الطبيعي أن تزداد الأخبار الكاذبة والتي لا تعود إلى كذب موقع خبري أو صحافي معين بالضرورة، ولكن إلى اختراع القصص وعدم وجود أصل لها في الواقع. نصبح أمام أخبار كاذبة من المصدر فتنقل صورا عن زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي لعدد من اللجان الانتخابية في محافظة المنوفية، ومشاركة أعضاء الوفد الناخبين في الرقص والأكل قبل أن تكتشف أن الكونغرس لم يرسل وفدا ولم يشارك في الرقابة على الانتخابات، ولأن الحقيقة مؤلمة فالعقاب يقع على الموقع الذي نقل الحقيقة وليس على من وقف خلف الكذبة أو نشرها.
يضاف موقع آخر إلى مواقع تم حجبها ومعها حملة ضد جريدة أرادت أن تتميز بأن تنشر الحقيقة وسط الكذب، وتمارس الدور المفترض لمهنة البحث عن المتاعب قبل أن تواجه بحملة شرسة من النقد والهجوم والتخوين لأنها أعلنت وبوضوح ما يعرفه ويشارك فيه الجميع وهو أن أجهزة الدولة تقوم بحشد الناخبين. لم يكن الخبر والعنوان الذي أثار الغضب إلا كلمة الطفل في مواجهة السلطان، ولكن الطفل لم يكن يكشف عري السلطان وحده إنما زيف كل ما حوله، ويعلن بوضوح عن مشاركة الجميع في حالة الكذب الجماعية وإنكار أنها كذبة لا يمكن التعايش معها بوصفها حقيقة مهما زاد عدد المشاركين في تسويقها.
في النهاية يستمر الرسام في وضع الرتوش المطلوبة على صورة الانتخابات والأجواء المحيطة بها من أجل مشهد الإخراج النهائي عندما تعلن اللجنة العليا عن نسب المشاركة ونسب الفوز من تلك المشاركة والتي ستأتي كبيرة بما يؤكد على حالة التفويض المستمرة دون أن يتوقف أحد أمام حقيقة أساسية وهى غياب الديمقراطية عن أجواء المشهد وتفاصيله، وحقيقة عدد من انتخب من عدد من له الحق في التصويت وهي أمور مسكوت عنها لأنها سوف تزيد من كشف الحقيقة وتغيب حالة التفويض ونسب النجاح المرتفعة المطلوبة للمرحلة والمستقبل.
الغريب أن هناك من قدم بلاغا للنائب العام ضد الجريدة، وتم تحويل البلاغ للتحقيق في نيابة أمن الدولة العليا بشكل سريع بتهمة «احتقار المصريين» ولا نعرف هل كان الحديث عن حشد الناخبين أكثر احتقارا للوطن والمواطن أم التنازل عن تيران وصنافير في الغرف المغلقة وتوقيع معاهدة دون نقاش أو إعلان ونشرها دون خبر، وتوجيه كلام مباشر بالتوقف عن الحديث في الموضوع، أم الحديث عن بيع المزيد من الشركات العامة والتي تعني التخلي عن المزيد من الأصول التي تباع بعد أن انخفض سعر الجنيه وأصبحت أشياء كثيرة مثيرة لاهتمام من يملك المال، أو الحديث عن اتفاقات يتم بموجبها تسوية الديون بين الجهات الحكومية على أن تباع أصول أخرى يفترض أنها مملوكة لتلك الجهات الحكومية الرسمية لتسديد الديون وغيرها من الأشياء التي تجري في الغرف المغلقة والمؤتمرات السرية؟ يظل سؤال احتقار المواطن مطروحا في خلفية المشهد إن كان هناك توجه لتحويل كل حدث إلى قضية، وكل خبر إلى اتهام، وكل نقد إلى خيانة، لأن الغيوم التي تحيط بالحقيقة لن تستمر بتلك الكثافة إلى الأبد.
تلك الغيوم نفسها تكشف أحيانا زيف القضية، وأحيانا زيف الأقنعة. يظهر على هامش الحديث عن إعادة النظر في القرار الخاص باتهام اللاعب محمد أبو تريكة بالإرهاب ومنعه من التصرف في أمواله كيف يتم التلاعب بالأسس نفسها التي تستخدم في البداية لتأكيد الاتهام وبعده تستخدم للتشكيك في البراءة. وبدلا من الحديث عن قدسية أحكام القضاء التي تعلن في لحظات تخدم أجندة المتحدث، يبدأ الحديث عن أن أبو تريكة إرهابي في نظر البعض وأن قرار محكمة لن يغير تلك «الحقيقة»، أو أن القرار النهائي لم يصدر بعد وأن المتحدث لا يستطيع تحديد شخصية أبو تريكة لأنه متلون. وفي النهاية سوف يحترم القرار النهائي للقضاء وغيرها من الآراء التي تختلف عن القرارات القطعية التي تعلن عندما يكون القرار متوافقا مع المتحدث.
تلك الرؤية الفضفاضة نفسها في التعامل مع الأدوات القائمة للاتهام والإدانة، أو البراءة والوطنية تظهر واضحة بصورة مختلفة عندما يخرج كاتب من كل الصور التي تحيط بالحديث عن اللاعب المصري محمد صلاح وتأثيره على الجماهير ورؤيتها للإسلام في الغرب برسالة مغايرة تثير النقد في الداخل والخارج بعد أن يتوقف أمام «ذقن» اللاعب ويعتبرها مجرد تعبير عن الإرهاب ويجب التخلص منها حتى يتسق مع الصورة التي يقدمها للعالم.
ردود الفعل التي انتقدت الموضوع أبرزت جزءا من الفجوة القائمة وجزءا أساسيا من الخلل الذي تواجهه مصر لأن البعض يصر على تصور امتلاكهم لصكوك ما سواء أكانت صكوكا دينية أو وطنية، وأن المؤمن الحق أو المواطن الصالح لابد أن يتطابق مع تلك الصور الموجودة في كتاب السلطة أو الجماعة أو التنظيم. هناك في النهاية محاولة للتنميط ومن يخرج عن صورة النمط المعد سلفا لا يمكن التعامل معه، ويصبح عليه أن يعود إلى شكل محدد في الإنماط القائمة حتى يسهل التعامل معه. وإذا كان محمد صلاح ليس إرهابيا فعليه أن يتخلص من «الذقن» لدى البعض، وإذا كان مؤمنا فعليه أن يحافظ على شكل معين منها، وهكذا.
ما حدث بشكل عارض مع صلاح حدث مع أبو تريكة بصورة ما ويحدث مع كل من ينتقد أو يطالب بالإصلاح. في النهاية هناك محدودية في الخيارات الموجودة في قائمة الإنماط، وحتى يمكن التعامل مع الشخص من قبل الدولة او الجماعة أو أي تنظيم مشابه لابد أن يتطابق مع النمط. أن تكون وطنيا الآن يعني أن توافق وتؤيد وتدعم دون أن تفهم أو تشارك، وأن تختلف وتنتقد وتطالب بالإصلاح يعني أنك عدو وخائن حتى وإنْ جاء الحدث بشكل عارض مثل خبر حشد الجماهير. الخبر هنا مثل «ذقن» صلاح يخالف صورة النمط ويخالف القدرة على التعامل والتصنيف. وما دام هناك شك فالأسهل أن تصنف كل مختلف بوصفه عدوا من الأشرار حتى يتوب ويثبت العكس سواء بحلق «الذقن» أو التوقف عن النقد والحديث عن وطن أفضل لأن الوطن هو ما تريد السلطة وما يرى الحاكم في اللحظة والمستقبل الممتد معنا باسم: «اخترناه وبايعناه… وإحنا معاه لما شاء الله».
كاتبة مصرية
