«التصوف الإسلامي» للمغربي خالد التوزاني: الوسطية كأفق رحب للفكر الإسلامي

علي لفته سعيد

في كتابه الجديد «التَّصَوُّفُ الإسلاميّ.. نَحو رُؤية وَسَطيَّة» منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2017 يركز الباحث والناقد المغربي «خالد التوزاني» على منهج العِرفان الصوفي في إصلاح الباطن ليفيض على الظاهر بالخير والنقاء، محاولا إثبات حتمية فرضياته التي تؤدي إلى أن من المهم الاعتدال في كل شيء حتى ولو كان من خلال التصوف الإسلامي، بسبب تزايد الانفلات الأخلاقي والهدر القيمي وانتهاك الحرمات، وصولا إلى منطقة تحترم قداسة الإنسان قبل قداسة الأشياء الأخرى، لأن دم الإنسان المستباح لا ينفي وجود أية قدسية مهما كانت.
جاء الكتاب كشأن الأبحاث العلمية، من حيث المقدمة والأهمية وإشكالات البحث ومنهجه. إستعرض الكاتب من خلال الفصول موضوعات على شاكلة.. دلالات مفهوم التصوف وأصل تسميته وعوامل ظهوره، تحليل ودراسة نماذج من التصوف الوسطي ومنها التصوف النسوي وتحوّل التصوف من الحصار إلى الحوار، رصد أصول الوسطية والاعتدال في التصوف الإسلامي وبيان تجلياتها وآثارها. سبق للتوزاني أن أصدر «العجيب في الكتابات الصوفية»، و«الرحلة وفتنة العجيب: بين الكتابة والتلقي»، الذي نال عليه جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي لعام 2016، وأيضا «الرواية العجائبية في الأدب المغربي المعاصر: دراسة نفسية اجتماعية»، و«أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية». وقد حصل على جوائز في النقد الأدبي منها جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية في المغرب، وجائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب في لبنان.

الوسطية والتصوف

يعد التوزاني الوسطية والاعتدال من أهم خصوصيات الإسلام، ويعتبر التطرف والتشدد من أبرز ما اتُهم به الصوفية، حسب رأيه، الذي يضيف له قوله إنه «من المعروف تاريخيا أنه لم تتعرض فئة لإصدار أحكام قيمة سلبية في حقها أكثر من الصوفية». ويشير في كتابه إلى أن الوسطية والصوفية لا تجتمعان عند كثير من الناس، وهو ما قد يشكل تعسفا في حق القوم، وخاصة بعض الأولياء والعلماء الذين اشتهروا بالفقه وضبط العلوم، وإدراك مراتب الاجتهاد في الأدب والفضائل والأخلاق. ويرى أيضا إن تبني الوسطية في التصوف الإسلامي منهجا في الفكر والسلوك لم يكن تقليدا أو اضطرارا، وإنما كان اختيارا واقتناعا بأهمية الوسطية في الإسلام، وانسجاما مع دلالات مفهوم الوسطية، المعبر عن معاني «الخيرية والشهادة والعدالة، واختيار الأفضل والأجود من بين الأمور»، دون إفراط ولا تفريط، أي باعتدال من غير إسراف، ولو كان في الخير، فكان بذلك مصطلح «الوسطية والاعتدال» جامعا لمعاني الجودة والتوازن والإتقان، حيث نجح الصوفية في تمثل تلك الدلالات ونقلها من الفكر والتأمل، إلى السلوك والتفاعل.

الصوفية كحل ضروري

يعتبر التوزاني التصوف الحل الأمثل للتعصب واستباحة دماء المسلمين وما ألصق بالإسلام من تهم، ولذا فهو يدافع عن التصوف كونه «رؤية وسطية منصفة للتراث الصوفي وفي الآن ذاته تقدّم قراءة نقدية لهذا الموروث الروحي، من أجل اقتراح اندماج ممكن للتصوف في عالم اليوم»، لكنه يدافع أيضا عن كتابه وعنوانه بقوله إنه قد يوحي أن «هنالك تصوفا معتدلا يشكل وسطا بين طرفي نقيض: تصوف متطرف وآخر متسامح أو متساهل، وحسب هذا الفهم، هناك أنواع من التصوف، في حين ليس هناك إلا تصوفا واحدا؛ وهو التصوف الإسلامي».
ويشرح المؤلف التصوف من وجهة نظره أيضا من «بحر من المعاني لا ينفد، وشلال من الشوق لا يفتر»، ولهذا فقد حرص على تأسيس معالم هادية لرؤية وسطية تروم الاقتراب الممكن من مجال ديني ووجداني صعب، ومحفوف بمخاطر التأويل والاختراق والانزلاق في متاهات الدفاع أو التبرير. ويوضح أن هدفه « كان يروم الفهم والتفسير، بعيدا عن كل الحُجُب التي قد تشوش على العقل رؤية الأشياء على حقيقتها لا كما نريد أن نراها، ذلك أن الحماس الديني في لحظات معينة قد يعصف بالمنطق وينسف التحليل الموضوعي للظواهر والقضايا، غيرَ أن البناء المنهجي قد شكّل صمام أمان أمام كل انزلاق أو تهوّر». ويعتقد التوزاني انه يريد أن يصل إلى أن «التصوف الوسطي، يمثّل الأفق الأعلى للفكرة الإسلامية، والوجه الأكمل لآدابنا ومثالياتنا، كما يمثّل الكمال في الإيمان، والكمال في كل شأن من شؤون الحياة، ويمثل أيضا الخلاصة الزكية لكل دعوة ربانية»، مثلما يريد ان يبين ان الصوفية لا ترتبط بأي مذهب أو دين وإنما هي أخلاق المقربين من الصالحين الذين ألهمهم الله التوفيق والسداد.

تجارب حية

يسرد المؤلف في كتابه نماذج من تجارب يقول إنها رائدة من التصوف الإسلامي، وإنها استطاعت بمنهجها الوسطي، أن تقدم درسا في التعايش السلمي والتواصل الحضاري، من خلال تبني ونشر قيم التسامح والحوار ومحبة الآخر، وأن تشكل تلك التجارب الصوفية مدرسة في السلم الاجتماعي. ويضيف أن «التصوف بهذا المعنى، يمكن أن يجسد حقيقة التدين السليم، الذي يحرك الإنسان في دائرة العقل المتوازن، والعاطفة الدينية العقلانية المحتكمة للنصوص والمتكيّفة مع الواقع، وحتى لا تكون هذه الوسطية المنشودة «وسطية اللين والتخاذل»، أو وسطية يتطلع إليها الغرب، أو مَنْ يحارب الهوية الإسلامية في صفائها ونقائها، فإن مفهومها لا بد أن يُطلب من القرآن والسنة وعمل الصحابة وعلماء الأمة، وهي روافد الوسطية والاعتدال في التصوف الإسلامي». ويتابع في كتابه ما يصفها بالتجارب المشهورة في التاريخ، والمعتمدة على منهج الوسطية والاعتدال بأنه لا يمكن اعتباره حدثا ثقافيا-اجتماعيا جرى في الماضي وانتهى دوره، بل «ينبغي النظر إليه باعتباره حمولة تراثية، يمكن استدعاؤها وتوظيفها اليوم لتجديد المنظومة الصوفية برمتها… خاصة، وأن هناك بعض السلوكيات السيئة الصادرة من بعض المنتسبين إلى التصوف قد أساءت لمقام الإحسان، إما بسبب جهلهم، أو عواطفهم الجياشة، أو تأويلاتهم المغالية، أو محدودية علمهم، ومن هؤلاء وبسببهم على الرغم من قلتهم- جاءت الحاجة لمثل هذا الكتاب لتأسيس رؤية وسطية للتصوف».

٭ كاتب عراقي

قد يعجبك ايضا