يكسر إيديكم
سألني: إلى أين أنت ذاهبة بورقة وقلم؟
أجبت: إن قلت لك، ستقول عني مجنونة.
قال: قولي ولن أقول.
قلت: ذاهبة لأحصي عدد اللوحات الإعلانية على شارع الخليج.
قال: مجنونة..!
شارع الخليج العربي، أجمل وأهم شوارع الكويت، طريق ساحلي يمتد على مسافة 25 كيلومتراً، مطل على الخليج العربي وأبراج الكويت من جهة، ومن الجهة الأخرى على أهم معالم الكويت مثل مجلس الأمة، قصر السيف، المسجد الكبير، دار الأوبرا، متحف الفن الحديث، مكتبة الكويت الوطنية، بيت السدو، المركز العلمي ومركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي.
شارع الخليج المتنفس الأول لسكان الكويت وملاذهم و«كشتتهم» وممشاهم. سواء كنت راكباً أو ماشياً، الشارع له رونق خاص وجمال لا يقارن بأي من شوارع الكويت الأخرى. لكن ربما استفز هذا الجمال البعض، ولم يستطيعوا تقبله، فقرروا أن يشوهوه. لم يكتفوا بمنح عشرات الرخص لمطاعم أجنبية على شواطئه تحجب البحر عن المارة وترتفع لافتاتها الملونة القبيحة لتشوه المنظر، بل قرروا أن يحولوا الشارع إلى صحيفة إعلانية تتكاثر فيها اليافطات على يمين وشمال الشارع وفي وسطه.
وبكل ما منحني الله من عقل ونضج، ورغم «المجنونة» التي سمعتها قبل خروجي، اتجهت إلى شارع الخليج بصحبة سائق، حتى أتمكن من العد الصحيح. بدأت من بداية الشارع عند مبنى شركة البترول الوطنية، وانتهيت عند رأس السالمية، محصية كل لوحة إعلانية الصغير منها والكبيرة، الملونة، والتي ما زالت فارغة بانتظار شركة تدفع المقسوم مقابل أن تلوث بصرنا بإعلاناتها.
في رحلتي الاستقصائية تلك، أحصيت 150 يافطة إعلانية من الحجم الصغير، و122 يافطة من الحجم الكبير في الرصيف الأوسط فقط، بمسافة لا تبعد أكثر من 20 مترا بين الإعلان وأخيه الإعلان. المصيبة أن بعض شركات الإعلان قررت أنها عندما تكرر إعلانها بنفس الرسالة ونفس الصورة، سيكون مفعوله أقوى فنثرت «مليون» لوحة إعلانية مكررة لمنتجها على طول الطريق. دعوني أقل لكم سراً، هناك إعلان لشركة حجوزات فنادق على التلفزيون، لكثرة ما ظهر ذاك الشاب ليعلن عنها، كرهتها وحلفت ألا استعملها يوماً، وهذا ينطبق على إعلانكم. التكرار أو «الحنة» في الإعلان لا يوصل رسائلكم للجمهور بطريقة أجدى.
التلوث البصري هو تشويه لأي منظر تقع عليه عين الإنسان وحجب للجمال، وفرض مناظر ينعدم فيها الذوق، سواء في الشوارع أو الأبنية أو الحدائق أو الأرصفة، وهذا مجرّم حسب قانون البيئة. وفي شارع الخليج هناك تلوث بصري ملحوظ، وتشويه لمعالم الشارع، بعد أن تم حفر الرصيف واقتلاع الزرع لتثبيت تلك اليافطات القبيحة المكررة، عدا عما تسببه من حجب الرؤية، تشتيت تركيز السائقين، والأهم حجب منظر الشجر والبحر وترسيخ القبح.
«يكسر إيديكم».. جملة أسمع نفسي أقولها، كلما مررت بشارع الخليج، لكل من ساهم في تشويه الشارع واقتلاع الزرع وحجب البحر، ولا أدري لمن أوجهها.
دلع المفتي
[email protected]
dalaaalmoufti@
