في رثاء الصديق عبدالله النصف
بينما كنت في صباح هذا اليوم (الجمعة)، بتاريخ
٣٠ ــ ٣ ــ ٢٠١٨، أقرأ الصحف، اطلعت على خبر وفاة الأخ عبدالله محمد خليفة النصف رحمه الله، وتعود الذاكرة بي إلى سنوات بداية الستينات، عندما كنت طالباً في مدرسة الشامية للبنين، وكان عبدالله النصف زميلي في الفصل ولسنوات متعاقبة، وكان طالباً ليس كمثل الطلبة العاديين، وإنما كان طالباً مجتهداً، فهو الأول على الفصل، بل على المدرسة، مع أخذنا بالاعتبار أن مدرسة الشامية في ذلك الوقت تضم نخبة من أبناء الطلبة العرب الأذكياء، وللعلم كان آباؤهم من المدرسين والأطباء، فكان هو الأول من بينهم في التحصيل الدراسي، وأضف إلى ذلك، فإن مستواه العقلي يفوق حتى قدرات بعض المدرسين في علومهم، ويجادلهم في المسائل الرياضية، مثل الهندسة والجبر، وكان دائماً لا يكتفي بحل واحد للمسألة الرياضية، بل يأتي بأكثر من حل، وطريقته تثير الدهشة والاعجاب الشديدين، هذا بالإضافة إلى غزارة معلوماته في المواد الاخرى كالجغرافيا والتاريخ، وكان يتحلى بأروع الصفات الخلقية والتدين والطيبة والبشاشة وروح الدعابة الجميلة، وحرص الطلبة على مصادقته والتعرف عليه، ومن صفاته الرائعة أيضاً الشرح الوافي بسخاء لزملائه على ما استصعب عليهم من مسائل ودروس، ولا أنسى فضله بشرحه لي في العديد من المسائل الرياضية المعقدة لصعوبتها، وكان اتجاهي أدبياً وليس علمياً. وتستمر الزمالة حتى المرحلة الثانوية، ويتجه الى القسم العلمي، وطريقته في كل شيء بالتحليل لمعرفة الأسباب والمسببات والخصائص، ولا يأخذ الأمور على علاتها، ثم يتخرج في الثانوية، ويتجه إلى دراسة علم الطيران في بريطانيا، ويصبح طياراً، لأنه كان يحب هذا الكون الكبير الذي يحيط بالكرة الأرضية لاكتشاف ذلك العالم الواسع، ولكن لم يستمر في عمله كطيار لأسباب شروط شركات الطيران وبرنامج مواعيدها الذي لا يتفق مع طبيعتنا البشرية، وأيضاً لابتعاده عن الوطن في رحلات قد لا يرغبها، فترك الطيران واتجه الى دراسة علم باطن الارض والتنقيب عما احتواه من ثروات، وتتاح له الفرصة ليعمل في القطاع النفطي، ومع مرور السنوات تنقطع أخباره لانشغالاتنا في الحياة، التي لا تنتهي، ولكن كنت شديد الحرص على تتبع أخباره عن طريق صديقي حامد الزواوي، وعلمت منذ فترة طويلة انه انقطع عن عمله، وترك الوظيفة ومحيطه الخارجي من البشر، لربما عين أصابته، والعين حق تصيب المميزين والمبدعين، فهو شخص غير عادي، كما عرفت عنه لما يمتلكه من قدرات فكرية وذكاء حاد جداً، والنتيجة انه لازم البيت لسنين طويلة، وانكب على قراءة الكتب والعبادة والبر لأهله كنهج سلوك العلماء والنساك المبتعدين عن زخرف الحياة ومباهجها، حتى وافاه الأجل المحتوم.
رحم الله الصديق عبدالله النصف بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.. «إنا لله وانا إليه راجعون».
د. عادل العبدالمغني
