الصعاليك النبلاء… نضال المغضوب عليهم

أحمد الشيخاوي

أسطورة ضاربة بجذورها في أدبيات القرون الوسطى، خاصة في الفولكلور الإنكليزي، كما أنها إلى الحقيقة أقرب، منها إلى الوهم والخرافة، نظرا لأدلة تثبت وجود هذا الفارس النبيل وتشير إلى هويته حقيقة ووجودا، أولها من خلال أعمال أدبية سنة 1228 تناولت هذه الشخصية الجانحة إلى أسلوب حياتي مغرق في مفهوم الصّعلكة النبيلة، سواء في ما وفّرته سجلاّت المحاكم البريطانية المحتوية على هذا الاسم، أو إدراجه ضمن قائمة المطلوبين، والعريضة المقترحة على البرلمان وقتها، التي تضع روبن هود في قفص الاتهام إلى جانب 140 عنصرا من مجموعة أطلقت على نفسها مسمّى «ميري مان»، أي «الرجال المبتهجون».

روبن شكسبير

ثمّ بعدها بحوالي ما يربو على قرنين من الزمن، تكرّرت سيرة هذا الاسم، المتهم بقضايا إجرامية راح يقترفها على امتداد تطوافه الزئبقي وشبحية تجواله في البلاد مراوغا ومضللا مطارديه من أجهزة السلطة، مناورا قوانين الدولة بفلسفته الخاصة، في إفتائها بواجب ومسؤولية نهب الأثرياء وذوي الوجاهة والحسب، بغية منح الفقراء والمعدمين. وفي سنة 1439 تحديدا، تناولت أعمال وليام شيكسبير المسرحية، شخصية روبن هود المثيرة للجدل، عبر نص «سيدان من فيرونا» إشارة إلى وجود روبن الحقيقي، وزعامته الفعلية والروحية لعصابة تتشكل في مجملها من أفراد الطبقة المتوسطة. فئة مغضوب عليها من قبل النظام، آثرت العيش في غابات شيروود الملكية، لم يكن مروقها على القوانين السائدة، ليخلو من غائية، بل على العكس جملة وتفصيلا، بحيث اكتسى طابع التعاطف معه، والتفت حوله الجماهير، كتيار جديد وفعل انقلابي انتصر للشرائح المجتمعية المسحوقة، تحت وطأة الفاقة وقلة اليد، بعدّها غالبية ساحقة مهمّشة ومتقلّبة في شتّى مظاهر الدونية والتخلّف. لتتسيّد شخصية روبن هود لاحقا، المشهد الهوليوودي، مانحة للأسطورة معاني مختلفة، مشحونة برمزيات البطولة والبسالة والتضحية والإيثار والإقدام، نصرة للمظلومين والمقهورين والمضطهدين والبؤساء. عاش روبن هود ومات على ديدن ومبدأ انتقاه عن قناعة لأغراض إنسانية نبيلة، عبرها هزم نرجسيته وتخطّاها، مستثمرا معطيات جمّة للفروسية وطاقته الرهيبة على الرّشق بالنبال وتفتحّه الذهني الملهم، تنويعا وتلوينا على استراتيجيات الكرّ والفر، في إرهاق أذناب الحكومة وسدّ الطرق على قوافلهم ونهب خزائنهم لصالح السائل والمحروم وابن السبيل.

عالم الصعاليك

جسّدت الصعلكة النبيلة عبر التاريخ، مشتركا إنسانيا، استسلم طواعية وانجذب لعوالمه الفارس المغوار في انتمائه إلى شجرة الإنسانية بدءا وانتهاء، كما هو الحاصل في حالة روبن هود، وأيضا الشاعر والفيلسوف، وغيرهم، نفصّل طرحنا المتمحور على معالجة ظاهرة الصّعلكة باستدعاء بعض رموزها في سائر ما أومأنا إليه من أجناس تعبيرية، ونجرد سيرّهم كالتالي: هو توجّه حياتي نضالي وإن تعدّدت أشكاله واللواءات المنضوية تحتها تجاربه، تقبع ثيماته واحدة موحّدة يتصدّرها هاجس الانتصار للحشود المستضعفة، والغلبة للمفردة المتسربلة بخطاب مناهضة التمايز الطبقي. هذا يقودنا إلى أشهر صعاليك العهد الجاهلي، مع مفارقة كون معظمهم شعراء مجيدين، لقصيدهم شعبية خاصة وانتشار كبير. وميّزت هؤلاء المحاربين الشجعان، خفة الظل وسرعة البداهة والعدو ورشاقة التنقل، وشدة البأس والصبر، وقودهم في ذلك غضبهم من واقع الشح والبخل في أسره وتقييده لحفنة الأغنياء والوجهاء والصفوة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر من هؤلاء:

شظاظ الضبي

الألصق لحمة سيرية بمجابهة الأمويين، بحيث تبلورت جلية مواقفه النارية والمكشوفة على نحو خاص، ضدّ أهل الثراء في اليمامة، قدحت أشعاره وولغت في مثالبهم الكثيرة وعلى رأسها مسبّة البخل. قيل: ألصّ من شظاظ. وفي أحد الأبيات المأخوذة عن كتاب أشعار اللص2وص، يقول شظاظ:
ربّ عجوز من نمير شَهيَره
علّمتها الانقاض بعد القرقره

ثابت بن فؤاد الفهمي

نسبة إلى قبيلته، ولقبه تأبط شرا يعود إلى إحدى قصصه الغربية ونوادره الفكهة، إذ يروى أنّه مرة، بينما هو في الصحراء، رأى كبشا فتأبطه طافقا يبول عليه طوال الطريق عائدا إلى حيّه، حتّى إذا دنا أكثر ثقل عليه حمله، فقذف به فإذا هو الغول، وحين سئل عنه قال: الغول. قال قومه: لقد تأبّطت شرا. ومن روائعه المفضلية التي يقول في مطلعها:
يا عيد يا لك من شوق وإبراق
ومر طيف على الأهوال طرّاق

الشنفرى الأزدي

شاعر غزليات بامتياز، اشتهر بلاميته المطولة، وعرف بقصة اختطافه صغيراً، ما دفع به إلى قطع عهد على نفسه، بشكل مبكّر، ووعد بالانتقام من القبيلة التي أقدمت على سلبه طفولته، فقرّر أن يقتل منهم مئة شخص، وتأتى له ذلك بالفعل، ليُرسم فصل نهايته الجنائزية على يد قاتل مقول، أتمّ به العدد الذي نذر له شهية الثأر المتّقدة. أمضى حياته في الغزو تارة مترجلا وأخرى راكبا، ولاذ بالبراري والغابات لإنجاز مهمّته، معترضا على قوانين وأعراف وقيود النعرة القبلية المكرّسة للفارق الطبقي، وموسّعة للهوة بين فقراء القبيلة وموسريها. يقول:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميلُ
فقد حمت الحاجات والليل مقمر
وشدّت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلى متغزّل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ
سرى راغبا أو راهبا، وهو يعقل
ولي دونكم، أهلون: سيد علمّس
وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السرّ ذائع
لديهم، ولا الجاني بما جرّ يخذل

ديوجين

ثمّة منحى آخر لهذه الصعلكة، (ديوجين)، الذي حسبما هو مستفاد من فلسفته الكلبية، بحثه الدؤوب عن منابع الحكمة، داخل سراديب حياة اقتضت تلاوين من التقشف الذاتي والوجودي، والاقتطاع من العمر لصفّ الرسالة الإنسانية النبيلة المفجّرة لنورانية الروح العطشى لدورة معرفية كاملة. وفي قولة شهيرة له، ترخي بقطوفها تجليات نسقه الحياتي والفلسفي، وتترسم صورة طوباوية تقرّبنا من هذه الشخصية التي لن تتكرر، ولن يجود الزمان بنظيرها حتى من قبيل المحاكاة، يقول ديوجين الكلبي: «الكلاب تعض أعداءها، أما أنا فأعض أصدقائي، لكي أساعدهم على النجاة».

٭ كاتب مغربي

قد يعجبك ايضا