بنات ألبب

«بنات ألبب» كلمتان غريبتان لمصطلح عربي، أجزم بأن أكثرنا لم يسمع به أو عرف معناه، وأنا أحدهم، فما قصة هاتين الكلمتين الخفيفتين على القلب العصيتين على الفهم؟
فيقال إن رجلا تزوج امرأة، وله أم مسنة، فخيرته زوجته بأن: لا أنا، ولا أنت، حتى تخرج هذه العجوز عنا، فلما أكثرت عليه، احتمل أمه على عنقه ليلا، ثم أتى بها واديا كثير السباع، فرمى بها فيه، ثم تنكّر لها، فمر بها رجل وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا عجوز؟ فقالت: طرحني ابني ها هنا وذهب، وأنا أخاف أن يفترسه الأسد. فقال لها: تبكين له، وقد فعل بك ما فعل؟ هلا تدعين عليه؟ فقالت: تأبى له ذلك «بنات ألببي»، فأصبح مثلا تضربه العرب عند وصف رقة القلب لذوي الرحم، أما «بنات ألبب»، فهي عروق في القلب تكون منها الرقة.
أما الشاعر أحمد شوقي فقال عن رقة قلب الأم في احدى قصائده التي لامست الفؤاد:
أغرى امرؤ يوما غلاماً جاهلاً بنقوده حتى ينال به الضرر
قال: أتأتني بفؤاد أمك يا فتى، ولك الدراهم والجواهر والدرر؟
فمضى وأغرز خنجراً في صدرها، والقلب أخرجه وعاد على الأثر
لكنه من فرط سرعته هوى؛ فتدحرج القلب المقطع إذ عثر
ناداه قلب الأم وهو معفّر: ولدي حبيبي، هل أصابك من ضرر؟
فكأن هذا الصوت رغم حنوه غضب السماء على الغلام قد انهمر
فارتد نحو القلب يغسله بما فاضت به عيناه من دمع العبر
حزنا وأدرك سوء فعلته التي لم يأتها أحد سواه من البشر
واستل خنجره ليطعن نفسه طعناً فيبقى عبرة لمن اعتبر
ويقول يا قلب انتقم مني ولا تغفر فإن جريمتي لا تغتفر
ناداه قلب الأم: كفّ يدا ولا تذبح فؤادي مرتين على الأثر
وعن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، أنه قال: قدم على رسول اللَّهِ بسبي، فإِذا امرأة من السبيِ تبتغى، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا رسول الله: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله: فالله أرحم بعباده من هذه بولدها.
فلا عاطفة كعاطفة الأم لولدها، ولا يوجد بين خلق الله ما يعادلها، انها الرحمة التي وضعها الله سبحانه في قلب الأم، فرحم الله أمهاتنا الأموات، وأطال في أعمار من هن أحياء، وجعلهن ذخراً ورحمة لذرياتهن.

طلال عبدالكريم العرب
[email protected]

نقلا عن القبس

قد يعجبك ايضا