“نيويورك تايمز″: إسرائيل تحتفل بذكرى إنشائها وافتتاح السفارة متناسية الكوابيس المقبلة
شبكةوهج نيوز :في عام 1948 سارع الرئيس الأمريكي هاري ترومان الى الاعتراف بإسرائيل قبل 11 دقيقة من بدء الحرب. وها هي مضت سبعون عاماً وتقوم الولايات المتحدة بافتتاح سفارتها في القدس في اليوم نفسه وبعد فترة من إعلان إسرائيل القدس عاصمة “أبدية” لها حيث أقامت سفارتها الجدية على هضبة لا تبعد كثيراً عن الجدار الغربي. ويقول ديفيد هالبفينغر في صحيفة “نيويورك تايمز″ إن احتفالات إسرائيل بحلمها يحمل معه كوابيس. فنقل السفارة واعتراف الرئيس دونالد ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل متجاوزاً عقوداً من السياسة الأمريكية تجاه النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي هي كما يقول هالبفنينغر بالتأكيد لحظة مفعمة بالفخر والمخاطر بحيث لا يعرف الإسرائيليون كيف يعبرون.
ويضيف أن الإسرائيليين يجدون أنه من الصعوبة الفرح لأنهم يفعلون الشيء نفسه الذي فعلوه منذ عام 1948 وهو الاستماع لصفارات الدفاع المدني وتحضير الملاجئ وإرسال التعزيزات العسكرية لمواجهة الخطر في الجنوب والشمال. فقد خرجت حرب الظل إلى حرب علنية بحيث وضعت إسرائيل بمواجهة علنية مع أقوى أعدائها بالمنطقة وهي إيران. وفي الجنوب هناك احتجاجات شارك فيها آلاف المتظاهرين وبتشجيع من حركة حماس التي تسيطر على القطاع. وقتل القناصة الإسرائيليون أعداداً من المتظاهرين وجرحوا المئات بحيث أعاد النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني للأجندة الدولية بعد سنوات من الغياب. وأشار الكاتب إلى حرس الحدود الذين نشروا في القدس الشرقية والضفة الغربية تحضيراً لتظاهرات غاضبة ضد أمريكا التي تخلت حتى عن التظاهر بالحيادية، على إسرائيل التي تواصل احتلالها أراضي الفلسطينيين والسلطة الوطنية لفسادها وضعفها وعلى العملية السلمية الذي أعطى وعوداً زائفة بالسلام والأمل.
“حلم بن غوريون”
ونقل عن المؤرخ توم سيغيف الذي كتب سيرة بن غورويون، مؤسس دولة إسرائيل قوله: “لو نظرت من الخارج لشاهدت واحدة من أهم قصص النجاح في القرن العشرين” مضيفاً أن إسرائيل أقوى منها في أي وقت مضى وعدد سكانها اكبر وهي في الحقيقة تجسيد لحلم بن غوريون “ولكن المستقبل قاتم ولا تزال المشاكل التي خلفها بدون حل”. ويضيف الكاتب أن اليهودي الإسرائيلي يجد صعوبة بالشعور أنه في حالة طبيعية وهو غريب عن مليوني فلسطيني داخل إسرائيل وملايين الفلسطينيين يعيشون في جواره. ولا أمل في الوقت الحالي بتسوية معهم كما كان الحال قبل جيل. ومهما كانت حالة الحصار التي يعيشونها فهم يشعرون بأن إسرائيل لم تكن قوية مثل اليوم. فالقوات الإسرائيلية تقوم بسحق المعارضين بالمقاتلات والبطاريات المضادة للصواريخ وأدوات تدمير الأنفاق، فيما يقوم جواسيسها بنقل مخازن أسرار مهمة من تحت أنف العدو. ولا تتحدث عن اقتصادها الذي يحسده سكان الشرق الأوسط وبرامجها التلفازية التي ازدهرت على نيتفليكس. وفازت مغنيتها التي ترقص مثل الدجاجة، نيتا برازليا بمسابقة “يوروفيجين” حيث حصلت على التصويت الشعبي. أما أعداؤها السابقون فهم يأملون أن تقوم إسرائيل بتوسيع دائرة أصدقائها في المنطقة، مثل السعودية والإمارات.
ولكن ترامب ذهب أبعد مما قام به رئيس أمريكي “برش” الهدايا على زعيم إسرائيلي سيتفوق على بن غوريون في مدة الحكم لو نجا من التحقيقات التي تلاحقه بالفساد وتمسك بالحكم حتى عام 2019. فمن اعترافه بالقدس كعاصمة إلى تعليقه المساعدات عن وكالة إعانة وتشغيل اللاجئين (أونرا) الذين يأمل نتنياهو بمحو قضيتهم وأخيراً الخروج من المعاهدة النووية مع إيران. وحضر وفد أمريكي كبير ضم ابنة الرئيس إيفانكا وزوجها جارد كوشنر افتتاح السفارة في القدس. وبالنسبة للفلسطينيين فافتتاح السفارة هو آخر استفزاز يأتي من واشنطن.
“القوة تصنع الحق”
وقالت هند خوري الدبلوماسية السابقة ومديرة منظمة غير ربحية في بيت لحم “القوة تصنع الحق” فليس على الفلسطينيين الآن نسيان القدس وبيوتهم عام 1948 بل التي خسروها عام 1967 وعليهم “القبول بحضور وتسيد إسرائيل وتدمير البيوت والطرد والتشريد “وتقبل اقتلاع أشجار الزيتون وعنف المستوطنين” و “القبول بالمستوطنات وسيطرة إسرائيل على وادي الأردن واستخدامه لمنفعتها الاقتصادية، وتقبل أن إسرائيل لم تف بالتزاماتها وحصارها لغزة وأن القدس الشرقية لا تمت لنا أبداً والقبول بالقوانين العنصرية التي تشرعها وأننا سجناء على أرضنا ولا أستطيع الحصول على تأشيرة لأننا جميعا إرهابيون وقبول تهمة العداء للسامية التي يوصم بها كل من يريد دعم الفلسطينيين” و “هذه هي الأمور التي يجب علينا القبول بها وإلا واجهنا جحيماً أكبر” و “ربما بدوت وكأنني أتحدث مثل جدة عجوز، لكننا سنكون آثمين لو ورّثنا هذا للجيل المقبل”.
ويرى الكاتب أن الإسرائيليين لديهم مظالمهم المتعلقة بالقدس، فالكاتب الإسرائيلي يوسي كلاين هاليفي نشر يوم الثلاثاء كتاباً “رسائل لجاري الفلسطيني” وفيه اعتبر نقل السفارة الأمريكية إلى القدس “لحظة مهمة” تعوض عما قال إنها حملة فلسطينية لنفي علاقة اليهود بالقدس والتي عبرت عنها كما يزعم اليونسكو وخطابات الرئيس محمود عباس الذي عادة ما يتحدث عن علاقة المسلمين والمسيحيين بالمدينة ويحذف اليهود. وقال “هناك حالة سخط بين الإسرائيليين بشأن الحرب ضد تاريخنا وجذورنا في المدينة”. ولكنه يرى أن كتابه عن “المصالحة مع جيراني الفلسطينيين يأتي في لحظة سيئة من تاريخ علاقتنا المضطربة”. ويعتقد أنه من الواجب عدم وضع علامات ولكن السفارة هي بداية اعتراف بأننا لسنا وحدنا في القدس. ويجب أن تكون لحظة مناسبة لإسرائيل. ولكن دعوة نتنياهو ضد الإتفاقية النووية أثناء فترة أوباما أدت لسوء علاقة اليهود الديمقراطيين مع الزعيم الإسرائيلي. كما دق اسفيناً بين الجماعات اليهودية عندما تخلى عن الإتفاق الذي منح اليهود المحافظين والإصلاحيين دورا في الحياة اليهودية بإسرائيل ومنحه الحاخام الأكبر الأرثوذكسي احتكاراً على الشؤون الدينية في البلاد. كما أن جهوده لترحيل المهاجرين الأفارقة وهجوم المشرعين الموالين لنتنياهو على المؤسسات الديمقراطية مثل المحكمة العليا أدت إلى قلق الليبراليين الأمريكيين من إسرائيل.
وكلما منح ترامب دعماً لنتنياهو زدات الهوة بين عالمي اليهود الليبرالي والمتشدد. وربما تراجعت المخاوف من نقل السفارة أو الخلافات بين عالمي اليهود وحققت الإدارة ما تريده من التسوية كما قال مايك بومبيو من أن العملية السلمية ليست ميتة بعد إلا أن سيغيف اكتشف من دراساته عن بن غوريون عدم اهتمام الأخير بالقدس وتجنب السيطرة عليها عام 1948 لعدم قدرته على حماية البلدة القديمة من المتطرفين. وبهذا المعنى يقول سيغيف إن شيئاً لم يتغير “فالقدس هي عن كل هذا ولهذا السبب ظلت مشكلة على مدار 3.000 عام وقد تظل كذلك لـ 3000 عام”.
المصدر : القدس العربي – ابراهيم درويش
