يابوس
د.الطيب النقر …
دويلة الشر التي تسعى لأن تتواصل الحرب في السودان لعقود دون أي استشراف للنصر أو التسوية، أظهرت جديتها في فتح جبهة جديدة تحقق لها المعادلة التي ترجوها، تلك المعادلة التي تجعلها في أفضل حالاتها اليوم وغداً، وفي كل وقت، حتى يتسنى لها أن تبقى حاضرة في نسيج متشابك ومعقد، دويلة الشر تريد إذن الاستمرار والرسوخ في “سودان العزة” حتى يصطبغ هذا الوطن العاتي بكل ألوانها، تريد هذه الدويلة “الحديثة الظهور” التي أسهم السودانيون في بزوغ نجمها، أن تفرض على وطنهم الذي أذهل العالم بحضارته الباهرة التي لا سبيل لاستكشاف آفاقها، أن تنهار نظمه الثاوية، وتتفكك معطياته الصلبة، التي لا يمكن طمسها في دوائر مفرغة، أو متاهات جانبية ، تريد هذه الدويلة المارقة التي تعشق الصراعات الدامية، لدرجة تصل إلى مرتبة التقديس، أن تفرض على” بلاد النيلين” توجهاتها في كافة المحافل، وشتى المجالات، حتى يمسي مجرد تابع ذليل لها.
والسودان الذي استطاع أن يلقي نفسه خارج مضمار سباقها المحموم، أفلحت قواته المسلحة بحيويتها، ودأبها، ونشاطها الفاعل، أن تغطي معظم أنحاء المعمورة، وأن تنجح في نزع القناع الحضاري المزيف للدويلة، و أن تظهرها على وجهها الحقيقي المتعطش دوماً لنشوب الصراعات الطبقية، والنزاعات العرقية، والحروب الأهلية، في كل الدول التي دست فيها أنفها، فللقوات المسلحة السودانية سجل تاريخي جدير بالثقة، يبرهن أن هذه القوات الباسلة، لا يمكن لأحد أن يبزها أو يضاهيها في ألمعيتها، وتحركاتها، وخطواتها، وانجازاتها، وعلو كعبها، ومما لا يند عن ذهن، أو يلتوي على خاطر، أن بريق الذهب، وسعار المال، وشهوة الاجتياح، هي الأسباب التي قادت هذه الدويلة لأن تتوهم أن هذه الثروات التي يزخر بها السودان، لا ينضب لها معين أبداً، وأنها سوف تبلغها دون عناء، ولكن المؤسسة العسكرية المستوعبة لأبعاد وأعماق هذه الطموحات، اتخذت أشكال وأنماط مختلفة ومتعددة، كفلت لها أن تحيل عالم الدعم السريع الزاهي الجميل الذي وطدت الدويلة أركانه، إلى عالم بؤس وفاقة وفناء، يهرب عربان الشتات الذين لا محل لهم من الإعراب، من مدنه وضفافه التي تترنح الآن وتتداعى وتنتظر انهيارها الوشيك.
والدويلة وعقلها المأزوم الغير قادر على استيعاب المتغيرات، لم تستطع في الحق قوالب تفكيرها السابقة، أن تدرك أن “التفتت السياسي” لقحت” سابقاً و”لتأسيس” حالياً، وتراجع “الدعم الصريع” وانهياره، ونكوصه عن مواضع كانت تخضع له تمام الخضوع في العاصمة، والوسط، والغرب، ناجماً عن جهود تلك المؤسسة الباذخة التي تملك قوات فعالة، وعتاد عسكري مطرد، وعقيدة مؤثلة تسعى إلى الكمال وتنقاد إليه، فهاهي الدويلة التي أعياها الأمر في كردفان ودارفور، تبحث عن انتصار نهائي لا انحدار بعده، في جنوب النيل الأزرق، لأجل ذلك تخطو هذه الخطوات الرشيقة الواسعة، بعد أن بشرتها جهات “منخوبة الفكر” بأنها يمكن أن تصل إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه، إذا دعمت منسوبي الحركة الشعبية في سخاء، فتلك الفئات التي تعتمد على قعقعة السلاح في انتاجها واستهلاكها، تعتقد أنها تملك القوى، والأيديولوجيا، والسيطرة،لكنها في واقع الأمر ليس لها علاقة حوار أو تداخل لاثراء تلك المناطق الفقيرة المجدبة التي ترزح تحت نيرها، كما ليس لها يد في عمارة تلك الأراضي الشاسعة الممتدة، والدويلة التي تنتظر أن يفرز هذا الدعم لهذه الجماعة ذات الطرح العلماني الذي يأنف أن تمتزج أطروحات الدين بالنسيج الثقافي والاجتماعي، واقعاً جديداً، تنبثق عنه مفاهيم أخرى في طبيعة هيمنتها المحكوم عليها بالضياع، ولكن غارة جوية واحدة لسلاح الطيران السوداني نفذتها ضمن حدودها، وفي إطار سيادتها، في مدينة “يابوس الحدودية” جعلت هذا الاعتقاد واهياً ضعيفا، ويأتي هذا الهجوم المباغت الذي شنته القوات الجوية السودانية كاجراء استباقي، يهدف لمحق الأخطار التي ستشكلها قوات الدعم السريع والحركة الشعبية في جنوب النيل الأزرق، وقد أسفر هذا الهجوم عن كلفة باهظة لقوات “جوزيف توكا” الذي يضطلع لاجراء هجمات شرسة على ولاية النيل الأزرق، بعد أن أضحى مطار “أصوصا الأثيوبي” خاضعاً ومرتهناً لسطوة “جرثومة السوء” التي تود أن تنزع عن السودان السلام والاستقرار اللذين ينشدهما.
د.الطيب النقر
الكاتب من السودان