نقل السفارة ومجزرة غزة يفاقمان الانقسام الجمهوري
لقد كان هذا أسبوعاً من الأهوال في فلسطين؛ ففي يوم واحد، قُتل 63 فلسطينياً، معظمهم من الشباب برصاص قناصين إسرائيليين. وأصيب أكثر من 2700 آخرين، معظمهم بسبب إطلاق النار أو الغاز المسيّل للدموع. ولإضافة إهانة إلى هذا الجرح، نقلت الولايات المتحدة في اليوم ذاته، سفارتها من تل أبيب الى القدس، ودقت ما قد يكون المسمار الأخير في نعش آمال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
لقد تسمّرنا لساعات في ذلك اليوم أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة هذين الحدثين. لم يكن من الممكن أن يكون تجاور المشاهد من القدس وغزة أكثر وضوحاً وكشفاً.
في القدس، كان المزاج على الجانب الأيسر من الشاشة، احتفالياً، حضره حشد من الأثرياء البيض من الإسرائيليين والأميركيين وضيوفهم، الذين كانوا يرتدون أفضل ما لديهم، للمشاركة في حفل افتتاح السفارة.
وعلى الجانب الأيمن، رأينا الشبان الفلسطينيين، الذين ظهرت على وجوههم مشاعر الغضب والخوف. وغالباً ما كانوا يركضون مختنقين بقنابل الغاز المسيل للدموع أو هاربين من الرصاص. وكثيرا ما كانت الكاميرات تلتقط صورة لأحدهم يسقط فجأة على الأرض وهو يمسك بساق أو ذراع، أو جانب أُصيب برصاص قناص إسرائيلي.
في حفل القدس، وبعد ذلك في المؤتمر الصحافي بالبيت الأبيض، قيل لنا إن افتتاح السفارة يسهم في صنع السلام، وإن العنف الذي يقع على مسافة أقل من 50 ميلا على حدود غزة هو نتيجة خطأ الفلسطينيين. لكن الصور التي رأيناها بأم أعيننا، كشفت عن زيف هذه المزاعم الرهيبة.
كان الأمر كما لو أن المشاركين في الحدثين كانوا يعيشون في عالمين منفصلين تماماً. ذكرتني هذه المشاهد بالطريقة التي عاش بها البريطانيون في الهند إبان الحقبة الاستعمارية، أو بمشاهد الحياة في المزارع الجنوبية، حيث تعايشت «الوسائل المتحضرة» للطف البيض إلى جانب العبودية. وبالنسبة الى الولايات المتحدة، فكرت في تباين الحقائق، التي تميّز بين كثير من المدن الأميركية؛ واحدة للنخب البيضاء الثرية، وأخرى للفقراء والملوّنين، الذين يعانون شظف العيش.
أشعر أحياناً بالأسى تجاه غاريد كوشنر وايفانكا ترامب. فماذا عسى أن يفهم هذان الزوجان اللذان عاشا في برج عاجي، أن يفهما شيئا عن غزة، بمياه الصرف الصحي المكشوفة، والبطالة في صفوف الشباب التي تصل إلى %70، وخضوعها للحصار منذ عقدين من الزمن.
والسؤال المطروح هو: كيف يمكن لكوشنر، الذي ليس لديه الحد الادنى من المعرفة والحساسية، ان يعد «الصفقة النهائية»، التي ستجلب السلام بين مجموعتين من الناس، الذين يعرفهم جيداً، ومجموعة أخرى لا يعرف عنها شيئاً؟
كانت حصيلة الضحايا اليومية رهيبة، وستترك ندوباً طويلة الأمد على وعي جيل من الفلسطينيين. لكن قسوة التواطؤ والغطرسة والغرور لها أثر عميق أيضاً، وسوف تستمر أيضا لجيل كامل.
في استطلاعات الرأي، لاحظنا منذ فترة طويلة انقساما حزبيا متناميا في واشنطن حول القضايا ذات الصلة بالصراع الإسرائيلي ـــ الفلسطيني. من المؤكد أن إسرائيل لا تزال لها اليد العليا في الرأي العام الأميركي نتيجة جيلين من الدعاية الفعالة، التي قدموا بها قصتهم، وأضفوا الصبغة الإنسانية على صورتهم وشوّهوا رواية الفلسطيني، وجردوه من إنسانيته.
ونتيجة لهذا الحملات الدعائية المستمرة، لا يزال الأميركيون يميلون إلى دعم الإسرائيليين على الفلسطينيين. ولكن، وبشكل متزايد، بدأ الأميركيون، لا سيما الديموقراطيون، في التشكيك في سلوكيات إسرائيل. هذا الانقسام الحزبي هو، في الواقع، انقسام ديموغرافي يتخذ فيه البيض، وذوو الاعمار فوق المتوسطة وابناء الطبقة الوسطى والذكور، والمسيحيون «المولودون مرة أخرى»، مواقف داعمة لإسرائيل بقوة، في حين يميل الأميركيون الأصغر سنا والأكثر تعليما، والسود، من أصل اسباني، والأميركيون الآسيويون، أكثر نحو الفلسطينيين، وأكثر استعدادا لمعارضة السياسات الإسرائيلية.
بدأت هذه الفجوة تتسع منذ 30 عاماً عندما بدأ المسيحيون اليمينيون الإنجيليون، مع ارتباطهم الايديولوجي بإسرائيل، بفرض سيطرتهم على الحزب الجمهوري. وعندما اطلق بيل كلينتون عملية أوسلو للسلام، وأحضر إسحاق رابين وياسر عرفات تحت جناحه، تبنّى الديموقراطيون موقفه. ورد الجمهوريون على ذلك بتبنّي أجندة الليكود المناهضة للسلام، وأصدروا تشريعات تهدف إلى إعاقة جهود كلينتون.
واتسعت الفجوة في عهد أوباما، حين وجد نفسه مقيّداً بسبب سياسات الجمهوريين وعرقلة نتانياهو. الآن وفي حالة التوافق الكامل بين ترامب ونتانياهو، تعمّق الانقسام الحزبي في واشنطن كثيرا.
لقد عشت التجربة الطويلة، ولذلك تعلّمت أن أتوخّى الحذر قبل أن أقترح أن التغييرات في المواقف، التي أحدثتها أحداث هذا الأسبوع، ستكون حاسمة. ولكن من خلال الردود الأولية التي رأيتها، أشعر بالثقة الكافية لأقول إنه سيكون لها تأثير مقلق.
أصبح ترامب والجمهوريون وقاعدته المسيحية اليمينية متشبّثين بنتانياهو. وهذا ينفّر، بشدة، الديموقراطيين والناخبين الذين يشكّلون القاعدة الانتخابية للحزب الديموقراطي. ومن الجدير بالملاحظة عدم حضور أي مسؤول ديموقراطي لحفل نقل السفارة الى القدس، على الرغم من تلقيهم دعوات للحضور، كما لم يحضر أي من اعضاء الكونغرس الديموقراطيين حفل السفارة الاسرائيلية في واشنطن، بمناسبة قيام الدولة العبرية.
لكن العديد من المسؤولين الديموقراطيين المنتخبين سيشعرون بالقلق من عدم التواصل مع الدوائر الانتخابية لحزبهم. وهم بحاجة إلى الاهتمام بتنامي الأصوات البديلة في المجتمع اليهودي التقدمي، وبزيادة مشاركة الأميركيين السود في دعم الحقوق الفلسطينية، وبالحركة التي أطلقها بيرني ساندرز والتجمّع التقدمي في مجلس النواب.
التغيير لن يأتي بين عشية وضحاها. لكن حين يحدث، سيُنظر إلى الأحداث الرهيبة التي وقعت في غزة هذا الأسبوع، على أنها لعبت دوراً في تغيير المواقف تجاه السياسات الإسرائيلية.
• رئيس المعهد العربي ـــــ الأميركي في واشنطن.
• تنويه:
وجهات النظر والآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة موقف المعهد العربي الأميركي.
د. جيمس زغبي*
