«عزلة الكاتب» للمغربي محمد عبد الفتاح: رؤية انتقادية لواقع ممسوخ

احمد بوغربي

تميزت المجموعة القصصية «عزلة الكاتب» للقاص المغربي محمد عبد الفتاح على المستوى الدلالي بالعديد من المواضيع والثيمات، يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، كمحاولة للإجابة على أسئلة الواقع المتعددة، من قبيل «تمزق الذات، اهتزاز القيم، قلق الهوية، الآخر، تصوير القمع، تجارب الحب». لكن ما يثير الانتباه هو ما تتميز به من رؤية تنبني على التحول، هذا التحول الذي يصل حد المسخ، وهو المسخ الذي يطال الشخوص والفضاءات والأزمنة والقيم، فكل شيء يفقد هويته وطبيعته.

تجلي المسخ

يختلف فعل المسخ في المجموعة عنه في الكتابات التي توظف الفانتازيا، أو الحكاية الخرافية، فلا يقتصر على الأدوار أو يتمثل في عقاب، بل مسخاً لا يعود منه أحد؛ إنه مرتبط بموقف القاص ورؤيته: «يجلس الضفدع على كرسيه المتحرك، يختلس النظر بطرف عينيه إلى طلبته، يتقيأ درسه». قصة «الضفدع يطير في الهواء». والمسخ يتحقق في المجموعة إما تصريحا، كما في قصة «الضفدع يطير في الهواء»، حيث تحول المثقف (الأستاذ الجامعي) إلى مجرد ضفدع، مثالا للسلبية، والعدمية، واللاجدوى، كحال الضفدع: لا يكدر ماء ولا يمنع شاربا، ومن ثم، فإن كل ما ينجزه هذا الضفدع (الأستاذ الجامعي)، لا يعدو أن يكون بدوره ضفدعيا، لا طائل يرجى من ورائه، فهو: سيرتجل موضوعا ضفدعيا، ويتفرغ لمشاريعه الضفدعية، ويجري اتصالات ضفدعية، بل إن صفة «الضفدعية» ستنسحب على كل قطاع، أو إطار لازمته السلبية والعدمية من «أحزاب، وكليات، ووزارة، وحكومات، وقضاء، وجمعيات، وتلفزيون» من قصة «الضفدع يطير في الهواء».

دلالة المسخ

والمسخ يطال كل شيء، يطال الفضاءات، كما في قصة «ضحية نضالية»؛ حيث يصبح مقر الحزب، مجرد دكان حزبي: «الدكان الحزبي الذي قضى فيه زهرة عمره بقي المسكين يرشف كؤوس الشاي في المقر الذي لا يسدد ثمن كرائه»، ويطال القيم؛ ففي قصة «وجبة حب سريعة» تحول الحب؛ القيمة الإنسانية السامية، إلى مجرد «حب إلكتروني» و«حب من أول شات»، وبـ «ضربة ماوس كان كلاهما يبحث عن قصة حب جديدة». يحضر المسخ أيضا تلميحا كما في قصة: «موعظة هاي لايف»، حيث لمّح فيها إلى المسخ الذي اعترى المواعظ حين نقرأ «أرغى مخرج البرنامج الديني، وتوعد محاولا إقناع الشيخ أن يكون أكثر إثارة في موعظته … اضطروا لإعادة المشهد»، أما في قصة «عزلة الكاتب» فيبدأ الإفصاح عن هذه الرؤية انطلاقا من العنوان «عزلة الكاتب»، فالكاتب الذي يأخذ مادته من تجاربه، واحتكاكه مع محيطه، يتخلى عن هذا كله، ويعتزله ماضيا لحال سبيله، زاهدا في كل شيء، وهذا في حد ذاته تحول عن المعتاد، وعن الدور المنوط به، إنها عزلة اضطرارية، قسرية، في واقع استشرى فيه المسخ، ولم يعد في الإمكان أكثر مما كان. وفي القصة نفسها، نقف على مسخ آخر، ورد تلميحا، والمستهدف هو الحلم؛ ففي واقع ممسوخ، لا بد أن تتحول فيه الأحلام، وتخيب (تمسخ) التطلعات، فالكاتب، الذي دفعته الحاجة للاشتغال في المحطة الطرقية، لتوفير المبلغ المطلوب، لإصدار كتابه الأول: «لما تجمع لديه مبلغ من المال يكفي للغرض، وحين أراد كتابة قصيدة وجد أن ذاكرته غزتها أشياء غريبة، ضوضاء الحافلات، أبواق السيارات، أصوات الباعة وسائقو الحافلات… أراد تدوين أفكاره فوجد أنه أصبح يجهل الكتابة».
وإذا كان فعل المسخ في الحكاية الخرافية، لا يحدث إلا لسبب، ويأتي عاملا يساعد أو يعاكس رغبة الشخصية، فإن المسخ في المجموعة القصصية بدوره لم يحدث من فراغ، بل هُيئت له شروط موضوعية، كان المسخ واحدا من نتائجها المحتومة. من هذه الشروط: فعل الترويض الذي يتحدد من كون أن (الغريب من فرط الألفة، يصبح مألوفا) منطلقا لتحقيقه، وهو ما تشير إليه «قصة الجبن»: «تأمل العربي قطعة الجبن فوق مائدة الفطور، مد يده وتناولها في فمه، استساغ مذاقها، مد الصغير يده حيث امتدت يد والده وجدها في غاية المرارة، مجها من فمه ونظر صوب والده باحتقار». ومن هذه الأسباب (الشروط) أيضا، ما يشير إليه قول السارد في القصة نفسها «انتشر الجهل وفسدت العقول…وانتشر الظلام». ثم إن المسخ يعيد إنتاج نفسه، فيصبح بدوره شرطا موضوعيا لتحققه، فالممسوخ لن ينتج إلا مسخا مثله، لذلك، كان من الطبيعي أن ينتج (الأستاذ الضفدع) (محاضرة ضفدعية)، ويكتب (قصة ضفدعية) ويأتي بـ(مشاريع ضفدعية).

الرؤية الانتقادية

هكذا تصوغ المجموعة رؤية واقعية، فهي تقترح وتشكل سردا يعكس نسيج الحياة، بكل تعقيداتها النفسية والاجتماعية والسياسية والجمالية، وقد جاءت مهووسة بمساءلة المجتمع، وملاحقة تناقضاته وصراعاته، وكشف المخبوء والمستتر فيه، مستثمرة في ذلك معظم إفرازاته السلبية، لتأثيت عالمها القصصي، وهي رؤية انتقاديه للسائد، تحققت من خلال رسم سمات الإعاقة، وعوامل الانكسار، والنكوص لصورة واقع يبدو من المستحيل إعادة تأهيله. الأمر الذي يفضي بنا إلى استنتاج أن القصة عند الكاتب محمد عبد الفتاح، وككل إبداع أصيل، هي: «ضرب من ضروب النشاط النقدي، يتصدى للمجتمع بكل أوجهه»، حسب مقولة جبرا إبراهيم جبرا.

٭ باحث من المغرب

قد يعجبك ايضا