ما هي الدولة؟

هي (حسب أحد التفسيرات) البناء الفوقي لمجتمع المواطنين، الذي يحفظ وجوده وتماسكه، انها حارس للدستور الذي هو ابو القوانين.. وهي ارادة المجتمع في استمرار وجوده والحفاظ على مصالحه العليا.. والدولة تنشأ بموجب عقد اجتماعي لمواطنين احرار ــ متساوين امام القانون بغض النظر عن أصولهم العرقية وانتمائهم الديني أو المذهبي.
بماذا تنص المادة 29 في دستور الكويت؟ تقول: ان الناس سواسية في الكرامة، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس او الاصل او اللغة او الدين، هذه هي الاصول التي قامت عليها دولة الكويت منذ اعلان استقلالها، ولكنها لم تعد كذلك اليوم، لماذا؟
هناك أعين عميت وآذان صمت وألسن سكتت داخل هذه الدولة، وهي ترى وتسمع وتشاهد ما يمزقها بكل دم بارد وبكل جرأة قد تصل الى تجاوز حدود الأدب والأخلاق، لماذا؟
الوطن يذوب يوماً بعد يوم، والمجتمع يتمزق بين فترة وأخرى من دون ان تكون هناك صرخة مدوية ووقفة جادة تخترق الآذان، وتسكت الألسن، وتوقف التجاوز والتمزيق لنسيج وطنٍ كان عظيماً بوحدته وتلاحمه، شامخاً في احترامه لدستوره، لماذا؟
الدولة المدنية بالكويت تتلاشى اليوم أمام أعين الجميع، والكل مكتوف اليدين يرى ويسمع دون أن يبادر، أو يحاول إنقاذ هذا الوطن من براثن المذهبية والقبلية والطائفية التي أكلت مجتمعات عربية حولنا وما زالت تأكلها، فتلاشت حكوماتها وتبخرت أوطانها، لحين تركوا شرارة النار ولم يسارع أصحاب الشأن والقوة والسلطة لإطفائها في حينها، فأكلت الاخضر واليابس، خاصة مع وجود ريح بعيدة تهب بين وقت وآخر فتنقل الشرارة من مكان الى آخر حتى أحاطت بالوطن كله، فاندلع حريقه.
حكومتنا الرشيدة والنائمة.. اصحي، فتلاشي دولتك المدنية بدأت ملامحه تلوح بالأفق، فحين يتحدث المواطن باسم مذهبه أو قبيلته أو طائفته، ويطالب بحقه مستندا عليها، واذا ما ظلم يهدد بقوتها، فذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً، إن عليك السلام أيتها الدولة النائمة، لأن البعد المذهبي والقبلي والاجتماعي والعنصري هو الاصل بالنسبة له، ثم تأتي الدولة بالمرتبة الثانية، بمعنى التعالي على الدولة وازدرائها، وهي بالمرتبة الثانية بالنسبة له.
اصوات من هنا واصوات من هناك، هذا يتلذذ بقوة قبيلته ويهدد بثورتها، وذاك يتنطع بطائفته ويتوعد بزحفها، والآخر يراهن على مذهبه ولا شيء غيره، أما القانون والدولة فلم يعد لهما وجود في حياتهم، هذا المواطن يرى ان دولة الدستور وحكم المؤسسات، هناك ما هو اعلى منها واكثر فائدة، لانها هي التي تأتي بحقه وغير حقه.
الأشد خطورة بالموضوع ان هذا النفس الاقصائي، الذي يقوم على ثقافة إلغاء الآخر لأسباب عنصرية او قبلية او مذهبية او طائفية او اجتماعية، بدأ يصدر من اصوات داخل مجلس الامة او الحكومة نفسها.
أتعرفون لماذا بدأ البعض باللجوء والتمسك والاستقواء بالطائفة او القبيلة او المذهب للحصول على حقه؟ الإجابة.. لأن ظهره الذي كان يستند عليه بفضل قوة قانون في نظام الدولة المدنية أصبح ضعيفاً هشاً، بفضل الواسطة والمحاباة والفساد والتحيز وشراء الذمم وأولويات الأهل والأقارب والجماعة والمحبين ومساحي الجوخ والكلام المعسل، وهذا كله مكونات الضعف لأي دولة.
حكومتنا الرشيدة.. اليوم سترين تلاحم كتاب وصحافة للبدء بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهذا أقصى ما نستطيع عمله، فنحن لا نملك الا قوة الكلمة والتلاحم في زيادة قوتها، أما القوة الحقيقية فهي بيدك أنت، فأنت التي تمكلين القانون لتطبيقة بالعدل والمساواة، وبيدك دستور من أرقى وأشمل دساتير العالم، إذن أنت القانون وأنت التطبيق، اصحي قبل أن تتلاشى دولتنا المدنية وتحل مكانها دولة الطائفة والقبيلة والمذهب، وحينها ستكونين أنت أول المتضررين منها.
**تعريف الدولة المدنية: (حسب دز جوزيف زيتون): هي التمدن، وذلك يدل على التحضر والتطور، وهي تتكون من منظمات المجتمع المدني بسلطاتها الثلاث، ويكون عندها الاعتبار للمواطنة، حيث تطبيق القانون على الجميع دون تفرقة، ومن دون أي أساس ديني أو عرقي، وذلك عبر السلطات الموكل بها تنفيذه.

**

تحية إكبار لإدارة الحرس الوطني التي بادرت منذ زمن طويل بالاكتفاء بكتابة الاسم المعلق على صدر المجند ثلاثياً دون اسم القبيلة، في معالجة ذكية ووطنية مسبقة لما تحدثت عنه في هذا المقال، ألف تحية لكم.

إقبال الأحمد

[email protected]
[email protected]

قد يعجبك ايضا