بلاغة الرسالة وسمو القول
لم يكد يجف حبر المقالات والافتتاحيات التي سطرها كُتاب الصحف ورؤساء تحريرها، ممن تنادوا للتصدي لظاهرة العصبية المقيتة للقبيلة أو الطائفة أو الحزب أو الجماعة.. حتى تصدّرت وسائل التواصل الاجتماعي إعلانات مجموعة من شبابنا أبناء القبائل، ممن فزعوا لنصرة ومساعدة «أبناء قبائلهم»، وليس لزملائهم أو إخوانهم من المواطنين الآخرين، وذلك لمساعدتهم في أمورهم الجامعية.
أعرف كما يعرف غيري من المنتمين الى الجامعة أن الأمور لا تدار بالفزعة في هذه المؤسسة، وربما كانت الجامعة هي الوحيدة في الكويت من المؤسسات التي تحكمها النظم واللوائح، خاصة في سياسات القبول الجامعي، ولكن المقلق أن تأتي هذه الإعلانات من شباب جامعي نتوسّم فيهم قيادة التغيير في المجتمع، وليس الانجراف وراء ظواهره السلبية، وهذا ما شكّل الطامة الكبرى وخيبة الأمل، ولكنها في النهاية نتيجة طبيعية لمآل الأمور التي تركت من دون معالجة، وربما تم تشجيعها وتغذيتها بسلوك الحكومات السلبي بالعطايا والهبات والخدمات للنواب، فكانت النتيجة هي كما نرى، حيث زرعنا انقسام المجتمع برعاية حكومية وضحينا بمستقبل وحدة الوطن وتآزر نسيج مجتمعه في سبيل تحقيق انتصارات سياسية قصيرة الأمد.
ارتفعت أقلام الكُتّاب وأصوات المواطنين تحذّر من ذلك ولا من مجيب، ولكن نرجو أن يختلف المسار ويستقر القرار حين تأتي الرسالة البليغة ممن يشغله دائماً هم الوطن واستقراره عبر ما ورد في خطاب أمير البلاد «حفظه الله»، ومن يتمعّن في كلمات الخطاب الرمضاني السامي، يقف على الرسائل الثلاث المركزة التي أرسلها أميرنا لأبناء وطنه وللحكومة ولمجلس الأمة، وأولى هذه الرسائل هي «الوقوف بحزم ضد كل من يحاول إثارة النعرات الطائفية والقبلية التي تهدد وحدتنا»، وهنا تجدر الإشارة والإشادة بتلك المبادرة المتميزة والسياسة الحكيمة، التي اتبعها نائب رئيس الحرس الوطني الشيخ مشعل الأحمد باعتماد الأسماء الثلاثية لمن ينتسب الى مؤسسة الحرس الوطني من دون اسم القبيلة، وهو أمر أشار إليه قبلي عدد من الزملاء، ونرى اليوم أهمية اعتماده في مؤسسات الدولة جميعها بتشريع أو قرار حكومي جريء لنبدأ أولى خطوات التآلف ونبذ التعصّب.
أما الرسالة الثانية، فهي الدعوة أو الأمر بترشيد الإنفاق لمحاربة المحاولات المتكررة للهدر لتحقيق الشعبوية السياسية، من خلال اعتماد الكرم الحاتمي من قبل مجلس الأمة للكوادر المالية أو نظام التقاعد المبكر أو غيرها من أمور أخرى، إن استمرت فستقوّض استقرار البلد الاقتصادي، لا سمح الله.
أما الرسالة الثالثة فهي التي تتكرر من سموه في كل خطاب لأهميتها، داعياً إلى الاهتمام بالشباب وتحصينهم ضد الأفكار الضارة والسلوك المنحرف، ولا نجد اليوم أكثر من التطرف والتعصب انحرافاً وتهديداً للمجتمع في أمنه ووحدته؛ لذا وجب التصدي لها بالعمل والفعل والقرار الحكومي الحازم والعمل الشعبي الموحد، داعين الله أن يحفظ هذا الوطن وأميره وشبابه وشعبه من كل مكروه.. آمين. والله الموفِّق.
د. موضي عبد العزيز الحمود
