ثقافة الحوار الدبلوماسي
محي الدين غنيم …..
في زمنٍ تتكاثر فيه المنابر وتعلو فيه الأصوات، لم يعد الخطر في اختلاف الآراء بقدر ما يكمن في أسلوب التعبير عنها. فالحوار، في جوهره، ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لاستعراض الانفعالات، بل هو فنّ راقٍ، تقاس به هيبة الدول، ويبنى عليه حضورها في عيون الآخرين.
لكن، وبكل أسف، نشهد اليوم تراجعًا مقلقًا في ثقافة الحوار لدى بعض المحاورين، حيث تحوّل النقاش من تبادل للأفكار إلى سيلٍ من الصراخ ومنطق يقوم على التهجم والتجريح بدل الحجة والإقناع. هذا النهج لا يعكس قوةً في الطرح، بل يكشف هشاشة في الموقف، ويضعف من صورة الخطاب العام الذي يفترض أن يكون مرآةً لوعي المجتمع ونضجه.
الأخطر من ذلك، حين يخرج بعض من تقلّدوا مواقع مسؤولية في السابق إلى العلن، وهم يمارسون هذا النمط من الخطاب المتشنج، غير مدركين أن الكلمة لم تعد شأنًا شخصيًا، بل انعكاسًا لمدرسةٍ كاملة في التفكير. فالدبلوماسية الأردنية، التي طالما عُرفت بحكمتها واتزانها، لا يمكن أن تُختزل في لحظة انفعال أو في نبرة صراخ، لأن قوتها الحقيقية تكمن في هدوئها وفي قدرتها على إدارة الاختلاف دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.
إن الصراخ لا يصنع حقا، والتهجم لا يبني موقفًا، والإقصاء لا يقنع أحدًا. بل إن هذه الأساليب تفتح أبواب الفوضى الفكرية، وتمنح الانطباع بأن الحوار قد فقد معناه، وأن المنطق قد تراجع أمام الضجيج. وهنا تكمن المسؤولية، ليس فقط على من يتحدث، بل على من يتابع ويقيّم، لأن قبول هذا النمط من الخطاب يعني تكريسه كقاعدة، بدل أن يبقى استثناءً مرفوضًا.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار لثقافة الحوار الدبلوماسي؛ ذلك الحوار الذي يقوم على الاحترام، ويستند إلى الحجة، ويعترف بالاختلاف دون أن يحوله إلى خصومة. حوارٌ يدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بعمق الفكرة، ولا بحدة العبارة، بل برصانتها.
إن الحفاظ على الإرث الدبلوماسي ليس مسؤولية المؤسسات وحدها، بل هو واجب كل من يتحدث باسم الوطن، أو يظن أنه يعبر عنه. فالكلمة أمانة، والحوار مسؤولية، ومن لا يجيد فنّهما، فالصمت أولى من أن يسيء لما لا يقدّر قيمته.
ويبقى السؤال الصارخ : هل نريد حوارًا يبني وطنًا، أم صراخًا يهدم صورته؟
الكاتب من الأردن