فادي السمردلي يكتب: حين تصنع المنصات التفاهة… كيف حوّلت السوشيال ميديا السقوط إلى نجومية؟
بقلم فادي زواد السمردلي ….
*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*
#اسمع_وافهم_الوطني_افعال_لا_اقوال
لم يعد من الصعب أن نلاحظ ما يحدث حولنا فيكفي أن تفتح أي منصة لبضع دقائق حتى ترى النمط نفسه يتكرر بأشكال مختلفة محتوى صاخب، سلوك مبالغ فيه، ضجيج بلا مضمون، وأشخاص لم يقدّموا شيئًا يُذكر لكنهم يملؤون الشاشات وكأنهم صناعة مقصودة لا مجرد صدفة فالسؤال لم يعد “لماذا يحدث هذا؟” بل “كيف أصبح هذا هو القاعدة؟”.
الحقيقة أن ما نراه اليوم ليس انحرافًا عابرًا في الذوق العام، بل نتيجة مباشرة لمنظومة كاملة صُممت بطريقة تجعل “الانتشار” أهم من “المعنى”. في هذا العالم الرقمي، لا يُسأل عن قيمة الفكرة بقدر ما يُسأل عن عدد المشاهدات ولا يُقاس المحتوى بمدى فائدته أو عمقه، بل بقدرته على جذب الانتباه في أول ثوانٍ وهنا تبدأ المشكلة.
الخوارزميات لا تفهم الأخلاق ولا تفرّق بين الجيد والسيئ فهي ببساطة تراقب ماذا يتفاعل الناس معه أكثر؟ الضحك؟ الغضب؟ الصدمة؟ ثم تدفع بهذا النوع إلى الأمام بلا توقف ومع الوقت، يصبح هذا “المنطق التقني” هو منطق الواقع نفسه فما ينجح هو ما يصرخ أعلى، لا ما يقول شيئًا أصدق.
في هذا السياق، لم يعد الغريب أن نرى محتوى فارغًا يصل إلى ملايين المشاهدات، بينما يختفي محتوى جاد خلف جدار من الصمت فليس لأن الناس لا تريد الجدية، بل لأن النظام نفسه لا يمنحها فرصة عادلة للظهور فكل شيء يتحرك بسرعة، وكل شيء يُختصر في لحظة واحدة هل سيجعل الناس يتفاعلون أم لا؟
ومع تراكم هذا النمط، يحدث تحول أخطر من مجرد انتشار التفاهة فتتحول “السقطة” إلى مادة قابلة للتسويق ،خطأ شخصي، موقف محرج، تصرف غير محسوب… كلها لم تعد تُعامل كأخطاء بشرية طبيعية، بل كفرص محتوى. يتم إعادة نشرها، تحليلها، السخرية منها، تحويلها إلى ترند، ثم تُمنح حياة أطول مما تستحق وفي كثير من الحالات، يتحول صاحبها نفسه إلى “نجم” رغم أن ما قاده إلى الشهرة هو لحظة ضعف أو عبث.
هذه ليست مفارقة بسيطة، بل خلل في بنية التلقي نفسها فعندما يرى الجمهور أن الطريق الأسرع إلى الظهور هو الفوضى أو الاستفزاز أو المبالغة، فإن الرسالة تصل بوضوح حتى دون أن تُقال.ومع الوقت، يبدأ البعض في تقليد هذا النموذج، ليس لأنه الأفضل، بل لأنه “الأكثر ضمانًا للوصول”.
هكذا تُعاد صياغة مفهوم القدوة فلم تعد القدوة مرتبطة بالعلم أو الإنجاز أو القيمة، بل بالقدرة على البقاء في واجهة الشاشة ومع تكرار هذا النمط، يتغير الذوق العام تدريجيًا دون أن يشعر أحد فيصبح الضجيج طبيعيًا، ويصبح المحتوى العميق “ثقيلًا”، ويُنظر إلى البساطة المفرطة أو التفاهة على أنها جزء من الترفيه المقبول.
الأخطر من ذلك أن هذا التحول لا يحدث بالقوة، بل بالاعتياد فلا أحد يفرض على الناس ما يشاهدونه، لكن النظام يعيد تشكيل ما يرونه أولًا، وما يُعرض عليهم أكثر، وما يُدفع بهم إليه تلقائيًا ومع الوقت، يصبح الاختيار نفسه غير حر بالكامل، لأنه محكوم بما يُتاح بكثافة أكبر.
في النهاية، لا يمكن إلقاء اللوم على الأفراد وحدهم فهم جزء من الصورة، لكنهم ليسوا من رسمها. المشكلة أعمق.في اقتصاد كامل يقوم على الانتباه، وفي منصات تقيس النجاح بعدد النقرات لا بمستوى المحتوى وكلما بقي هذا المنطق قائمًا، سيظل السقوط قابلًا للتحويل إلى شهرة، والتفاهة قابلة لإعادة الإنتاج، والوعي الحقيقي في موقع دفاعي دائم.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد “ترندات” إنه إعادة تشكيل هادئة وطويلة لما يعنيه أن تكون مرئيًا، وما يعنيه أن تكون ناجحًا، وما يعنيه أصلًا أن تكون ذا قيمة.
الكاتب من الأردن