الموقف من الحياة في قصص «أوان القطاف» للمغربي عبد الرحيم هري

عبد الحفيظ بن جلولي

يتحرر الفن القصصي من إرباك التنميط، حين يعود أدراجه في الكتابة ويرمم وعيه الحداثي بتتمات عالقة في ذاكرة الحكي، بواقعية لا تمارس سلطة الهيمنة بشراسة، لكنها تعانق اللحظة الراهنة بمحبة، لتكشف عن سريانها المستمر والقابل للتجاوز أيضا، هذا ما تكشف عنه طبيعة الكتابة في المجموعة القصصية «أوان القطاف» للقاص المغربي عبد الرحيم هري، الذي يبدو أنه صير عبر قصصه مشهديات الحياة العابرة والملتقَطة بإدراك «المفردات المهملة»، إلى سيناريوهات قابلة للتمدد بفعل صهر عناوين الكتابة والنصية الشاهدة على بساطة التفاعل مع حركة الواقع، المرتبطة في الوعي الحكائي بتأثيث لحظة المعيش بنباهة الموقف.

التحديد الشكلي/التقديم/ رمزانية الموقف

يحدد القاص جنس الكتابة في «أوان القطاف» بـ«مجموعة قصصية» معلَنَةً في مطلق التسمية، ويتسلل من غلاف الكتاب ليحدد في عتبة العنوان الداخلي شكل القصص: «نصوص قصيرة»، ليفتح منذ هذه اللحظة أوان الموقف، فإثارة سؤال الفرق بين «القصة» و«النص» يحين الموقف من الكتابة ذاتها، ويشرع مصراع الذائقة على ترميم الفجوة بينهما، ثم يفاجئ القاص القارئ بتقديم المجموعة الذي كُتِب من طرف تلميذتان، يحدد عمرهما بـست عشرة سنة، وهو ما يضع القارئ في صراع الذائقة القرائية، بمعنى كيف يمكن لتلميذتين أن تؤسسا الرؤية لنص قصصي يحتاج الكثير من التجربة، وكيف جازف بهذه الخطوة ليجعل قيمة المكتوب بين يدي خطر التقديم؟
مما لا شك فيه أن مقياس الذائقة لا يخضع لمعياري السن والمستوى الدراسي. تأكيد القاص على صفتي المقدمتان يحيل إلى إوالية الموقف الذي يسنده الثبات، كما يفجر تخييل الموقف من حيث الحيرة التي تنتاب القارئ كمتلق تال للنص، بعد تأثيثه وإنتاجه من قبل الكاتب، وحقه كمشارك في إنتاجية النص من حيث خطابيته في تحديد العناصر التي تتيح تقيمه وتداوله كخطاب و«تجعل حضوره ممكنا في العالم» بتعبير جيرار جينيت.

القراءة الكليانية/ الموقف وعوائق الدافعية:

تطرح مجموعة «أوان القطاف» طبيعة قراءة المجاميع القصصية، التي على الأرجح يبدو إنها تستجيب لـ«قراءة قصص المجموعة في كليتها، اعتبارا للجوانب المشتركة وللتعالقات القائمة بين مجموع قصصها»، كما يرى الناقد عبد الرحيم العلام، والمشترك بين هذه القصص هو «الحياة على حافة الدنيا»، والموقف من ذلك الحراك المضني، وثلث عناوين القصص جاءت مفردة، وكأنها مواجهة حاسمة وباتة في مشهديات الحياة، أو مفرداتها المهملة، بإعلان موقف يكرس نقدانية مفعمة بالفنية، والعودة إلى جذور الواقعية، وحتى العناوين المركبة جاءت في عمومها دالة على الموقف، كـ»مواطنون منتهية صلاحيتهم» التي تنتهي عند سِلَعِية الإنسان، وقد يكون من هذا المنظور أيضا إفساح القاص مساحة واسعة للمرأة، كزوجة وباحثة عن اللذة وعاشقة، ففي «تأمين» يقابل القاص بين الزوجة والسيارة وفق رباط التأمين، وهو ما يحيل العلاقة الزوجية برمتها إلى هامش غياب السكينة كثيمة تنغلق على مشهدية المجتمع في غياب الدافع إلى الحركة، وبالتالي غياب الشعور الإنساني بمرح العيش، فرمزية «البنزين» و«المازوت» في النص يحيلان إلى الحركة، والتصنيف على أساس مادة الحركة، إنما يكشف عن تعدد المداخل للفرح، لكن فوضى المعيش تنغص محاولات الاقتراب منه، وعلى هذا فجر السرد أطروحة «الزوجة» كفرح مشتهى/غائب في نمونكلتورا العلاقات (الحب) الدافعة إلى الحركة.
يتعمق الموقف من الحياة حين يضع وسائط الإعلام كمشتبه فيه في دائرة العلاقات، وهو ما تتيحه أقصوصة «لهفة على الزواج»، التي تحرك مفهوم «التواصل العاطفي الإلكتروني» وما يكلس به العواطف من برودة التنائي وصمت الآلة، ويزيد نص «مكالمة ملعونة» العلاقة المصمتة للتواصل في ظل الآلة غموضا وجفاء، إذ إن مسار الواقع قصصيا، يُعتبر ناقص الكينونة لفقدان حميمية التواصل المتعالقة مع موضوع الاقتراب الجسدي، وسرقة النقال ما هي سوى تعبير عن هذا الاختفاء المريع للتواصل، في ظل واقع يرتهن كلية إلى وسائل تواصل مصمتة خالية من نبض الوجدان.

الواقع العربي/حراك الفراغ:

ما بين انتظار التغيير وتكريس الواحدية وانتشار السراب، والبحث عن القلب، تتحرك القصص لتوظف الواقع وتسرب الموقف منه، فـ»الخريف» بلونه الأصفر الذابل يُسقط أوراقا وترفض إحداها الامتثال، فهل هو صمود القلة، أم انتظار الموسم لترحل كما رحلت مثيلاتها، حتى لا يقع عليها وصف النشاز؟ هل هو الانخراط في بوتقة القطيع؟ هل وصل المجتمع العربي نقطة اليأس؟ يظل الثابت الوحيد المتمثل في الوطن يرقص داخل حدود نص «حب لا كمثله»، حيث الحلم بالوطن يضع واقعية الوطن كمفهوم وحركة موضع الرهان على وجودية المواطن، حيث انعدام مفهوم المواطنة يجعل من محددات الوجودية كالزمن تراوح محل الوجود/العدم، يقول: «وفي غفلة من الزمن، راح يصنع له توأما يسع عشقه»، فالزمن القصصي يحمل بذرة قمع السلطة، ولذلك يتغاضى عنه السارد، ليصنع الفاعل القصصي وطنا بقدر سعة الحلم به.
حينما تجتمع المعايير لتصنع الواقع/الوطن، تنبثق أزمة الوعي العربي بالوجدان، بالعلاقات الإنسانية الدافعة، لهذا كان نص «البحث عن امرأة» معنى عفويا في مقام الموائمة بين العقل والقلب: «ولما أعياه البحث نحت جسمها من خشب العرعار، وبقي يبحث لها عن عقل يفكر». غياب العقل الذي يفكر أطاح بجدل الوجود الفعال، لذلك نقل نص «صندوق الاقتراع»، الفعل الانتخابي من واقعية المسعى، «توجه إلى مركز الاقتراع»، إلى سيريالية المشهد: «تفجر الصندوق، خرجت منه أسراب فئران جائعة»، عفن المشهد الفئراني لا يكشف سوى عن حالة أعياها التنميط من خلال ظاهرة المنتَخَب المتكرر، مما يكرس اليأس في التغيير، وهو ما أشار إليه نص «العيساوي»: «أدخل العيساوي ثعبانا من أنفه»، وفي ظل مهرجانية طاغية تحرك العيساوي لينجز مشهدا ما، لكن «الثعبان» غرق في «حركة دورانية»، حركة تنطلق من نقطة البداية لتعود إليها، عبث المشهد الوجودي، «يقلع العيساوي، تشرئب الأعناق»، العياء من الحركة في الدائرة المفرغة، يولد الانتظار في دوائر تُرغب حدوث المعجزة، إنها اتكالية المبادرة في واقع المشهد الوجودي العربي.

ملامح أطياف نصوص/مسار السراب:

تنشأ متلازمة شفافة بين الوعي بالكتابة كمبادرة ذاتية، والوعي بالتفاعل عبر «تقاطع سطوح نصية» بتعبير جوليا كريستيفا، فينبع حوار يغري القارئ بالأنس واستصحاب المعنى، وهو ما ترسمه بعض قصص «أوان القطاف» في منعرجاتها التواصلية المؤدية إلى نصوص أخرى، فنص «بدون هوية»، ينطلق من بديهية: «فكر في استبدال بطاقة هويته الوطنية»، ليجد نفسه «بدون هوية»، وما بين الجملتين الحدثيتين تتراكم أحداث بيروقراطية لا تعكس سوى صورة المواطن الذي ما زال مجرد فرد في حسابات السلطة، وورقة تحمل معلومات، إذا ضاعت كانت وبالا على وجوديته، ومن هذه الإشكالية تنبع أسئلة المواطن/الإنسان، يشي ذلك النص في نفَسٍ كافكاوي عميق.
أما نص «ومن الحب ما قتل»، يقود إغراؤه إلى قصص الحب التراثية، لكن القاص عمد إلى اقتناص هالاتها ليوجه النظر إلى إشكالية السلطة التي تعرف كل شيء، بل وتنتج تقاليد الحب بالقوة، أو الإجبار على حب السلطة وتقاليدها: «عاد لبلده ليركب دبابة تصاحبها أساطيل وطائرات، وعاث في شوارع بلدها كي يلتقيها».
نص «فتوة» يتلمس طريقا نحو دون كيخوتة، حيث مخيال القوة والأحلام الذي يحيط الواقع العربي، «حارب طواحين الوقت»، إنه السيف الخشبي وأوهام الفروسية القادرة على تحرير المبادرة، حتى إذا ساد شيء من العودة إلى الذات، لم يكن هناك سوى صفير الريح وبيداء تجول فيها أحلام العطش.

٭ كاتب جزائري

قد يعجبك ايضا