اللقاء الأخير بيوسف إدريس
ابراهيم عبد المجيد
سبعة وعشرون عاما مرت الآن وما زلت أراه بكامل هيئته ضاحكا أو غاضبا.
رغم أنني أعيش في القاهرة منذ عام 1975 بشكل متصل إلا أنني في بدايات وجودي بهذه المدينة لم أكن أسعي للتعرف الشخصي على أحد من كبار الكتاب. كنت أكتفي بجلسة مقهي ريش ومن يتردد عليها من كتاب الستينيات أو السبعينيات، حتى انتقلنا إلي مقهي فينيكس في شارع عماد الدين، ثم استقر الأمر في مقهي البستان أو سهرة الثلاثاء في «الجريون» أو في «ستيللا»، ثم طبعا بحكم العمر لم أعد من الرواد المنتظمين لأى مكان.
كان يوسف إدريس وغيره من كتاب جيله يمثلون لي جيلا أهاب الاقتراب منه، رغم أنني كنت أكتب وأنشر في كبري المجلات ودورالنشر. التقيت بيوسف إدريس مرة أو مرتين في مقهى ريش وكان يجلس في الجزء الداخلي، ولم أزد عن السلام والمصافحة وانصرفت. حتي جاء يوم في ذكري ميلاده الخمسين، أعدت مجلة «أدب ونقد» ملفا كبيرا عنه.
ساهمت فيه بمقال عن كيف أنني نشرت أولى قصصي القصيرة بدون أن أكون قرأت شيئا ليوسف إدريس، حتي أهداني أحد الأصدقاء في الإسكندرية أعماله ذلك الوقت من عام 1969 فقرأتها فتغيرت الدنيا حولي، وصرت أسيرا للغته وأسلوبه، وكلما كتبت قصة رأيتها علي طريقته وبلغته، فتوقفت عن الكتابة عاما كاملا حتى أتخلص من تأثيره عليّ . لقد شملني إلى درجة إنني ذات ليلة حلمت به يمليني قصة كاملة. صحوت من الحلم مقررا أن اكتب القصة لكنني أرجات ذلك للصباح فنمت من جديد وصحوت لأجد نفسي قد نسيت القصة تماما. أحزنني ذلك ولا يزال لأني تصورت وأتصور أنها كان يمكن أن تكون مادة للدراسات النفسية للأدب.
كتبت ذلك وغيره عن عالمه فأرسل يطلب لقائي. ذهبت إليه في جريدة «الأهرام» ومن هنا صارت اللقاءات علي تباعدها. أدركت من أول جلسة معه أن الأفضل أن تسكت وتستمع إليه فهو يحب أن يكون سيد المتحدثين، فضلا عما في أحاديثه حقا من حكايات وأفكار رائعة. طبعا لن أحكي هنا عن بعض الذين حاولوا أن يكونوا المتحدثين في حضوره وكيف ثار عليهم. أذكر منهم ليلة كان فيها يوسف إدريس يحدثنا عن أيام الملكية، فأخذ كاتب الحديث وراح يتحدث عن الملكة نازلي وأحمد حسنين باشا، وبعد دقائق ثار يوسف إدريس قائلا له «كفاية كلام عن أسرتك أحنا بنتكلم عن العائلة المالكة»، أصيب الكاتب بالإحباط ووقف وانصرف، فقمت وراءه أهدئه لأنه كان من الناس الطيبين، وسألني هل الملكة نازلي من أسرتي؟ ضحكت وقلت له حين يتحدث يوسف إدريس فعلينا أن نستمع، أو لا نطيل الحديث، وأعدته إلي الجلسة وبدا راضيا . مواقف كثيرة أهم لا أنساها منها موقفه بعد أن اغتيل غسان كنفاني في بيروت من قبل إسرائيل عام 1972. كنت أعيش في الإسكندرية وأحضر إلى القاهرة قليلا لنشر قصة أو تقاضي مكافأتي عنها. علمت كيف قاد يوسف إدريس في القاهرة مظاهرة من عدد قليل من الكتاب احتجاجا على اغتيال غسان كنفاني. والأهم أنه بعد شهر تقريبا كانت له ندوة في قصر ثقافة الحرية في الإسكندرية، قصر الإبداع الآن – حضرناها جميعا كتابا من الإسكندرية وجمهورا غفيرا. دخل القاعة معه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي. صار يوسف إدريس علي المنصة وعبد المعطي حجازي في الصف الأول من الحضور. حدثنا يوسف إدريس عن السادات الرئيس الذي يتأخر في تحرير سيناء، وهاجم السادات هجوما كبيرا. قام عبد المعطي حجازي من مكانه وراح بدوره يكيل الاتهامات للسادات، ولم يكن ذلك ليمر بسهولة. قام يوسف إدريس بزيادة جرعة الهجوم إلى درجة مذهلة. كان واضحا إنه يريدنا أن ننسي أي حديث إلا ما يقوله هو. عرفنا بعد ذلك إنه تم استدعاؤه إلى أمن الدولة وأن تدخلا من محمد حسنين هيكل أنهي المسألة.
يوسف إدريس لا يرضى إلا أن يكون الأول وهذا هو أصوب تفسير لاعتراضه على فوز نجيب محفوظ بجائوة نوبل وثورته. أدبيا حقق يوسف إدريس معادلة كبرى بين كتابة القصة القصيرة والرواية والمسرح والمقالات. في كل عمل تقرأه تشعر بأنه يري ما لا يراه الآخرون، ويمسك بما هو جانح وغير معتاد. شخصياته وقضاياه كلها خارج المألوف وكان هذا منذ البداية سببا في دخوله العاصف إلى عالم الأدب بمجموعته «أرخص ليالي».
كانت مقالاته في «الأهرام» تحت عنوان «من مفكرة يوسف إدريس» أشبه بالثورات الأسبوعية. ففي كل مقال دعوة كامنة للانتفاض على ما حولنا من رتابة وانكسار سياسي. هو اعتبر هذه المقالات أقرب إلى القصص، لكنها كانت أوضح في الدعوة للثورة على المألوف. ما كتبه وتركه سيشغل الباحثين دائما، لكنني أعود إلى اللقاء الأخير وكان ذلك في آخر يناير/كانون الثاني عام 1991، كان عملية تحرير الكويت من الغزو العراقي قد بدأت، وكان اللقاء المعتاد في معرض القاهرة الدولي للكتاب بين الرئيس حسني مبارك والمثقفين. في هذه اللقاءات التي غبت عنها في ما بعد تعودت على أن أجلس في الصفوف الأخيرة مع إبراهيم اصلان ومحمد البساطي حتى ننشغل عما يدور، لأن اللقاء الذي يمتد إلي ثلاث ساعات كان التلفزيون يذيع منه نصف ساعة كلها تقريبا مطالب شخصية للكتاب أو اجتماعية بسيطة، أما المناقشات العميقة فلم يكن يذيعها التلفزيون. كنا ندخل القاعة قبل حضور الرئيس بساعة، وأثناء دخولي رأيت المرحوم سيد حامد النساج وهو يجلس في الصف الثالث يشير إليّ، أخبرته أنني أحب الجلوس في الصف الأخير فأخبرني إنه يريد أن يسألني عن شيء ما ثم أعود. ما إن جلست حتى رأيت يوسف إدريس يدخل القاعة. نظر إلى الصف الأول الذي كان حاشدا بالوزراء وأعضاء مجلس الشعب، وبدا الاستياء على وجهه وزم شفتيه في ضيق كبير. وقفت وتركت مكاني قبل أن ينفجر، فأنا أعرفه وقلت له لقد حجزت لك هذا المكان. هز رأسه نافيا فقلت له أنني عادة أجلس في الخلف وأنني صادق في ما أقول.
وأخذته من يده فتحرك معي في ضيق وجلس مكاني وذهبت أنا إلي الصف الأخير. دخل حسني مبارك وبدأت الجلسة فرفع يوسف إدريس يده قائلا «عايز اتلكم الأول» فقال مبارك كعادته «تفضل يا دكتور يوسف» فوقف يوسف إدريس وقال «نحن نلتقي بسعادتك مرة في العام. الوزراء وأعضاء مجلس الشعب يلتقون بك كل أسبوع فلماذا يأتون هنا ويحتلون الصف الأول؟ في العام المقبل يجلسون في الخلف». دوت القاعة بالتصفيق وقال مبارك كعادته «حاضر يا دكتور يوسف» وبدأ الحوار. لم يحضر يوسف إدريس العام التالي. مات في أغسطس/آب من العام نفسه، وقبل موته بأيام كان قد تم تعيينه مسؤولا عن الملحق الثقافي لـ«الأهرام» فاتصلت به أهنئه فقال لي نريد أن نعيد الملحق للعصر الذهبي، لكن الموت الظالم كان أسرع.
٭ كاتب مصري
