لحظة الوداع لا تعني مَن نودعُ وإنما هي تعنينا

وهج 24 : منذ «وَدعْ هُرَيْرَةَ إن الرَكْبَ مرْتَحِلُ» (الأعشى: المعلقة) ومرورًا بـ«نشيد الوداع» للشاعر السكوتلندي روبرت بُرْنز، وإلى حد ما نسمع الآن في المطارات والموانئ وفي الشارع العام من عبارات توديعية، لم ينقطع فعل التوديع، وظلت حياتنا شبيهةً في ذلك بسلسلةِ وداعاتٍ، فلا شيء فيها لا يطولُه الوداع، وكل لحظة نعيشها إنما هي لحظةُ وداع، حتى لكأن الإنسانَ، وخاصة الإنسان العربي، قد خُلِق ليُبذرَ عمرَه في التوديع، إنه يُودع أيامَه وأحبابَه وقضاياه ووطنَه وأحلامَه فيه: إنه بالتوْصيف يُودع الدنيا ذاتَها كل لحظةٍ. ظل الوداعُ حدثًا قرينَ حُزنٍ ولوعةٍ وخوفٍ من عدم لقاء مَنْ نُودع، لذلك مال فيه الإنسان إلى استعمال عبارة «إلى اللقاء»، وقد تُعوضها أحيانًا عبارةُ «في حفظ الله» متى رُمنا أن نوكِلَ أمرَ الشخص الذي نودعه إلى الله وحفظه. وهما عبارتان سأحاول مقاربةَ دَلالتيْهما الاجتماعية من خلال بعض ما اقترح في شأنهما الباحث الفلسفي جوناثان دودايْ من حُدودٍ مفهومية جديدة في مقالة له بعنوان «كذبةُ الوداع».
من الضروري تأكيدُ الاختلاف القائم بين هاتين العبارتين اللتين تبدوان عموما متقاربتين جدا من حيث المعنى، وتُقالان في المقام نفسه، حيث تفيد عبارة «في حفظ الله» توديعا نهائيا للشخص الذي نتوجه بها إليه، بمعنى أننا لا نعلن فيها عن رغبتنا في رؤيته مرة أخرى وإنما نتمنى أن يحفظه الله في غيابه عنا هناك، في حين تستبطن عبارة «إلى اللقاء» رغبتَنا في أن نلتقي ذاك الذي نودعه مرة أخرى، ومن ثمة فإن «إلى اللقاء» يمكن أن تكون النسخة «الصادقة» لـ»في حفظ الله»، لأنها تُفيد، مهما يكن نوع العلاقة التي تربطنا بالآخر، التعبير عن الفكرة المباشرة التي هي ترجو رؤيتَه ثانية حتى وإن كان ذلك شكلاً من أشكال المجاملات الاجتماعية. والحق أن قول هاتين العبارتين اللتين تأخذان كامل معناهما وقوتهما من اجتماعهما معا، إنما هو فرض رغبتنا في رؤية آخرٍ قد يكون هو نفسه غير راغب في رؤيتنا: أي هما نوع من الإكراه العاطفي الذي نمارسه على مَنْ نودعُ، ولعل معنى قول المتنبي: «إذا تَرَحلْتَ عن قَوْمٍ وَقَد قَدَرُوا أنْ/لا تُفارِقَهُمْ فالراحِلونَ هُمُ» ما يفيد في توصيف مثل هذه الأحوال.
وقد يصلح قول نيتشه في كتابه «المسيح الدجال»: «الكذب الأكثر شيوعا هو كذبنا على ذواتنا، أما الكذب على الآخرين فلا يعدو نسبيا أن يكون الاستثناء»، سندًا لتفسير حدث الوداع، بل يكشف الزيفَ السائدَ لحمولةِ مقولتيه: «إلى اللقاء» و»في حفظ الله». فنحن لا نودعُ الآخر، وإنْ ودعناه في الظاهر، وإنما نودعُ أنفسَنا فيه: ذلك أنه في الغالب الأعم، وعلى افتراض أننا صادقون في قول عبارة الوداع، فإن الآخر الذي نُودعه عادةً ما يكون مشغولاً عنا بالآتي، لأنه مقذوف في سَفَرٍ تنتظره فيه حياة جديدة، وأناسٌ جُدد، ومصير جديد، سواء أكان سفره إلى جبهة حرب، أم إلى جغرافيا آمنة، بينما نظل نحن منذ لحظة توديعه نعيش ماضيه فينا، لأن مستقبَله منقطعٌ عنا. إن لحظة الوداع لا تعني كثيرًا مَن نودعُ، وإنما هي تعنينا نحن أكثر؛ هي تعنينا من جهة رغبتنا في أن نلتحق بالذي ودعناه، أي في أن ننتقل من لحظتنا إلى لحظته، وأن نعيش مثلَه حدث الوداع بامتلاء، كأنْ يأتي مَنْ يُودعنا كما كنا نحن قد ودعنا الشخصَ الذي سافرَ.
تقوم بين عبارتي «إلى اللقاء» و»في حفظ الله» علاقة مشابهة للعلاقة القائمة بين الواقع وصورته، لأن المرء لا يقول «إلى اللقاء» بطواعية واختيارٍ حر، وإنما يقولها رغما عنه حين يجد نفسَه مُجبَرًا على قَبولِ ألمِ الوداع، إنه يقولها بحمولتها الظاهرة المحيلة إلى رجاءٍ في لقاء مَن نودع، ولكنه يعني بها عبارة «في حفظ الله» بحمولة استحالة ذاك اللقاء، وهذا ما يحول عبارتي الوداع إلى خداعٍ صرفٍ. ولن تحجب دموع الوداع رؤية حقيقته: فنحن إذْ ننجزُ فعل الوداعِ نعتقد أننا أقوياء، وأننا سنتجاوز الأمر، إلا أنه لا يوجد وهم أجمل من ذلك الذي يخفي مرارة الواقع ذاته. ولكن هل يوجد ما أكثر واقعية من الوهم؟ كلما كان الوهم كاذِبًا كلما بدا الواقع حقيقيا ـ على الأقل عن قرب.
الوداع غيابٌ عنا لأشخاص لنا بهم صلة ما، إنه تمزيق لتلك الصلة لا نملك معه القدرة على تحديد زمن رَتْقِها، ولكننا نملك شيئا آخر يمنحه لنا الذهنُ: إنه الانتظارُ. فإن نودعَ يعني أن نبدأ رحلةَ الانتظار. ولكننا غالبا ما نشعر بأن انتظارَنا مؤلِمٌ ولا نهائي، موغل في المستقبل وقاتل لطمأنينتنا. وقد يوهمنا لاوعيُنا بأننا قادرون على تجاهل الألمِ الذي يسببه لنا حدثُ الوداع، أو أننا قادرون على تحمله والعيش به غير أن واقعَ الكثير منا يقول نقيض ذلك. لو استعرنا عبارة إيميل سيوران لقلنا إن كل وداع إنما هو دراما غير ظاهرة، وسلسلة من الجراح الدقيقة التي لا نشفى منها أبدًا، إن الوداع ضد الفَرَحِ، وضد الحياة ذاتها؛ فنحن إذْ نقول بيأسٍ «إلى اللقاء» فإننا نقولها وكلنا خوفٌ من أن اللقاء لن يتحقق إلى الأبد، وهذا هو ما يؤلم في وداعنا أحبتَنا.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا