الحج إلى الزمن: بعض من أحلام آينشتاين
هيفاء نبي
ما هو الزمن؟ كيف نشعر به؟ ما مدى المساحة التي يشغلها من تفكيرنا اليومي؟ ما هي خططنا لكبحه، لإيقافه، لتجاوزه؟ بماذا يرتبط عند كل واحد منا؟ لما نقبله على حاله محدداً بالساعات والدقائق والشهور والسنين؟ ماذا نعرف عنه غير إشارات عقارب الساعة وفصول السنة وفترات الطفولة والشباب والشيخوخة؟ من مَنطَق الزمن بتلك الطريقة التي جعلتنا نكف جماعياً عن النبش في أساطيره وأسراره؟ ما مذهب العالقين في الزمن؟ ما مذهب اللامبالين به؟ هل نحن ما نفكر فيه؟ أم ما نقوم به، أم أننا ما نقضيه؟ لِم يرتكن الزمن لامرئياً في زوايا حياتنا ويتلاعب بها بدون أمل في أي تدخل منا؟ لما تُطرح أسئلة اﻟ«متى» عادةً كما لو كانت شيئا يخص الزمن لذاته لا يخصنا نحن؟ ماذا لو كانت هناك أسرار أخرى للزمن؟ فرضيات أخرى له؟ هل كنا سنكون ما نحن؟ هل كنا سنبتئس لقضاء ليلة عكرة أو لمضي شهورٍ من التعب؟ أخيراً، لو طابقنا الزمن الذي نستهلكه في حياتنا مع ما نفعله ونكسبه فيها، لمن سترجح كفة الميزان، وإلى أي الاتجاهين سنميل، اتجاه الزمن أم اتجاه ما كسبناه؟ وما الذي سنحمله كميراث أو كهوية لذواتنا؟
إنها الأشهر الأخيرة من حلم يقارب على الاكتمال، حلم آينشتاين بنظريته النسبية. في هذه الأيام الأخيرة بين منتصف أبريل/نيسان وأواخر يونيو/حزيران عام 1905 ثمة فجوة في الزمن مكرسة للفصل بين الواقع والحلم، تحتلها حكايات آلان لايتمان وفواصل من حياة آينشتاين.
في هذه الرواية التي صدرت عام 1993، تحكي الفواصل حالة آينشتاين الموظف الشاب الذي يقضي ساعات مع صديقه بيسو، يحدثه عن اهتمامه بالزمن بدون أن يخبره عن أحلامه، بينما الحكايات التي يرويها لايتمان بشاعرية فائقة فهي حكايات في الزمن وعن الزمن تروي حالات الحياة منظورة بمِنظار زمني نسبي.
الرواية التي صدرت بترجمة أسامة أسبر ولاحقاً بترجمة لعلي القاسمي، هي عبارة عن إعادة اعتبار للزمن، والحيوات فيها هي حيوات عالقة فيه، حيث المكان هو واحد، وهو مدينة بيرن السويسرية، بينما الزمان هو المرآة التي نرى من خلالها حيوات وعوالم مختلفة يحكمها الزمن المشكِّل لأحلام آينشتاين.
في هذه الرواية التي يمكن تسميتها مجازاً «رواية» يشغل الزمن دور البطولة، ويشتبك واقع القارئ المحمول على بساط زمني مع خيالات آينشتاين وهو على بعد خطوة من حلمه.
الرواية مقسمة إلى ثلاثين حكاية عن الزمن، هذه الحكايات هي افتراضات وفرضيات عن الزمن وعن تصور الحيوات الإنسانية من منظار زمني، حيث المحرك والفاعل والمحرض والمشكل فيها هو الزمن النسبي.
يخبرنا لايتمان أن تحديد الزمن هو مجهود بشري، كان يقاس طويلاً بمسارات النجوم أو تقوس الشمس أو تنوع الضوء، أو بدقات القلوب وإيقاعات النوم والنعاس والدورات الشهرية للنساء، إلى أن تم اختراع الساعة العظيمة التي سحرت البشر وأرعبتهم، كونها تقيس الزمن بالمسطرة وبدقة عالية جعلت من الحج إلى الزمن عبادة، وحيث التضحية في هذا الحج هي الإنشاد لكل دقيقة تُنتزع من حيوات الحجاج.
الرواية في مجملها هي فُتات حكايات، حالات عوالم محكومة بالزمن الخارج من كهفه المطلق والمبعثر هنا وهناك بنسبيته الجديدة. فهناك عالم زمنه كمي وآخر نوعي، هناك عالم زمنه متوقف وآخر صوري وخال من الزمن، هناك عالم بلا زمن، حيث الأحداث تولّد أحداثا خارج أي ضرورة زمنية. هناك عالم بمستقبل معروف مسبقاً وعالم بلا مستقبل، حيث الزمن فيه «خط يتلاشى في الحاضر واقعياً وذهنياً». هناك عالم بمستقبل ثابت ومحجر، حيث لا أحد مسؤول فيه، عالم بلا ماض، عالم فائض بالزمن، عالم مفتقر للزمن، عالم فيه الزمن لانهائي والحياة تجريبية، لأنها ميراث السنين بدون انقطاع، عالم فيه الزمن محلي، حيث تغرق كل مدينة في عزلة تامة بسبب زمنيتها الخاصة، عالم آخر فيه الزمن متغير وآخر فيه الزمن ثابت.
هناك عالم فيه الزمن كضوء بين مرآتين حيث يتكرر فيه كل شي إلى ما لا نهاية له، وحيث العالم هو عالم نسخ لا تحصى. الحيوات التي تتغذى بهذه الأزمنة هي متغيرة أو ثابتة، متقطعة أو متواصلة وهي متعددة بتعدد وضعيات الزمن، متنوعة حسب تلاعب الزمن بها. هناك الحياة المسحوب منها الزمن كخيط رفيع، وهناك حياة مضاف إليها زمن كمقدار زائد من الملح في قدر الطعام.
هناك الحياة ذات الزمن المتقطع، حيث «يتدفق الفعل العصبي عبر جزء واحد من الزمن، يثبت فجأة، يتوقف، يقفز في فراغ ثم يستأنف مسيره في جزء مجاور». هناك حياة أخرى فيها الزمن مستمر، حيث تقدم الزمن موصوف بسرعة مضطربة، بينما هناك حياة أخرى فيها الزمن يتقهقر للخلف. في حيوات أخرى الزمن بُعد مرئي حيث يمكن النظر إليه كما ينظر المرء للجبال والوديان، وحيث يمكن للمرء أن يختار تنقُّله أو مكوثه على طول الزمن، تماماً كما يحدث في حال التنقل المكاني.
حكايات الناس المتعددة تلتقي وتفترق على محورها الزمني، كل شي في حيواتهم مقدّر ومصنوع على هوى الزمن. ففي إحدى الحكايات يكون الزمن ثلاثي الأبعاد، وفيه لكل شخص ثلاث حيوات مختلفة. في حكاية أخرى الزمن مكرر، دائري والحيوات تتكرر إلى ما لانهاية، والبشر في هذه الحيوات يعرفون مآل كل شيء وعالقون في التكرار الكئيب. في حكاية ثالثة الزمن لحظي لا ماض له ولا مستقبل، وفي هذه الحياة لكل شيء معنى واحد، ولكل شي عمر واحد. في حكاية رابعة الزمن متجمد، حيث العناق أبدي والوداع أبدي والموت أبدي، في حكاية أخرى تبدل الماضي وغيابه ممكن، حيث بإمكان المرء أن يستيقظ ليرى أنه ليس مَن كان في ماضيه. في حكاية خامسة أعمار الناس مضغوطة لتكتمل باكتمال أربع وعشرين ساعة، بحيث يرى كل فرد شروقاً واحداً وغروباً واحداً قبل أن يموت. وفي حكاية سادسة العالم بدون ذاكرة ومحصور بالتالي في عالم الحاضر. في حكاية سابعة الزمن مسرَّع جدا، وفي أخرى الماضي يسبق الحاضر وفي أخرى يكشف المستقبل عن نفسه قبل الأوان.
في كل هذه الحكايات التي تغلِّف المضمون العلمي فيها بشفافية شعرية، لا يمكن للقارئ تصور البدايات والنهايات والأفعال وردوها، ذلك أن المتلاعب الأساسي فيها، ألا وهو الزمن، هو شيء منظور ولامنظور، حاضر وغائب، محتمل ومستحيل.
الرواية هي أخيراً حج إلى الزمن، حج إلى ذلك المكان المقدس الذي نعيش به وفيه ومنه ولا نفكر فيه إلا في ما ندر.
٭ كاتبة سورية
