قصيدة حول الأضحية

سعيد يقطين

 

من الفروق البارزة بين الأدب الشعبي والأدب بمعناه العام، الذي نتحدث عنه عادة، تنزّل الأدب الشعبي إلى القضايا اليومية التي تهم الشعب في بساطتها وتعقدها، في حين يتصعد الأدب العام إلى المسائل الكبرى التي تتصل بالإنسان. وقد يفلح الأدب الشعبي في التعبيرعن الجوهر الإنساني، وهو ينطلق من اليومي، في حين قد يعجز الأدب الآخر عن تمثيل الحس الشعبي وهو يراهن على المشترك الإنساني.
يدفعني هذا التمييز إلى طرح السؤال التالي: لماذا انصب اهتمام الشاعر الشعبي، مثلا، على المشاكل التي تتولد عن طقس ديني (شراء أضحية العيد) في الوقت الذي نجد الشاعر الأديب، لا يولي البتة قضية مثل هذه حيزا في إبـــــداعه الشعـــــري؟ لعل الجواب يكمن في كون الشاعر الشعبي قريبا جدا مما يرى آثاره واضحة على حياة الناس اليومــــية، ولذلك يعــبر عن مشاكلها ساردا إياها بطريقته الخاصة. فتتحول إلى أغنية يرددها الناس، ويتمثلون ببعض أبياتها.
يكتسب عيد الأضحى موقعا مهما في المتخيل الشعبي المغربي. لقد تحول من طقس ديني إلى تقليد دنيوي. ومكنه هذا التحول من أن يحتل صورة خاصة في الحياة العامة تتعدد جوانبها وتتنوع أبعادها. من المظاهر الدالة على ذلك تسمية عيد الأضحى بـ«العيد الكبير»، مقابل «العيد الصغير» (عيد الفطر). وإذا كان العيد الصغير يوحي نفسيا واجتماعيا بالجوع (الصوم)، كان العيد الكبير نقيضا له لأنه يومئ أنثروبولوجيا إلى شراء الأضحية (الشبع). ولما كان شراء الأضحية لا يتيسر لكل الناس، صار هذا العيد مناسبة لبيع أغلى أنواع الأثاث، وذهب الزينة، للحصول على ما يكفي لشراء الأضحية، ولا سيما حين يرتبط الشراء باقتناء أجود الأكباش وأملحها، أي أغلاها، مما تكون له تداعيات على العلاقات الاجتماعية، وتصورات خاطئة تتشكل عن هذه المناسبة الدينية.
انبرى الشاعر الزجال الحاج محمد بن عزوز المذكوري المدعو «قربال» لهذه الظاهرة، فكتب قصيدة تحت عنوان «في ما وقع بين الرجل وامرأته في شأن الضحية سنة 1385، الموافق 1966». كان قربال فقيها وشاعرا شعبيا جريئا، يتجول في الأسواق بسيارته، يعظ الناس في الحلاقي، التي تقام في الساحات العمومية، ويبيع قصائده التي كان يطبعها، بعد أن يبين محتوياتها، ويقرأ بعض مقاطعها، وقد انتقل بعد ذلك إلى بيع الأدوية الشعبية. له قصيدتان حول عيد الأضحى، وفي إحداهما لم يتوقف على الأضحية، ولكنه أضاف أيضا «الديك الرومي» (بيبي) الذي كان يذبح في عيد العرش. تحولت إحدى القصيدتين إلى أغنية مسجلة للثنائي قرزز ومحراش، وظلت قصائده مسموعة في مختلف الحلاقي يؤديها المغنون إلى الآن.
صاغ القصيدة الأولى بضمير الغائب الذي يحكي ما جرى بين الرجل وزوجته في عيد الأضحى من خصام كاد يؤدي إلى الطلاق، بسبب مطالب زوجته في الأضحية. ومن خلال الحوار بين الزوجين يقدم كل واحد تصوره للعيد، ورؤيته له. أما الثانية فجاءت على شكل تداعي الزوجين إلى الراوي، حول الأضحية، وكل يقدم حججه وبراهينه في الموضوع. في كلتا القصيدتين ينتقد الشاعر الظواهر المتفشية حول العيد، وانصب كل نقده على المرأة التقليدية التي لا يهمها من العيد سوى «التفاخر» على جاراتها، بشراء أكبر وأغلى كبش، والتباهي أمام أفراد عائلتها بأنها تعيش في بحبوحة العيش. وكل طموحها أن تأكل اللحم، وتمارس مختلف عادات الطبخ (ومن بينها القديد) في الوقت الذي يقوم الزوج بأعمال لا تدر عليه سوى ما يسد به أوده. يقارن الشاعر بين زوجته والمرأة الغربية (النصرانية) التي تحترم زوجها، وتشارك في الحياة، وتسير أمور البيت باقتصاد منتج: « النصرانية تخدم/ راجلها ما يندم/ كاع يتشاركو في الهم/ عيشة متساوية». كما يبين تشريفها لزوجها وتقديرها له، وأن حياتهم لذلك سعيدة: «النصرنية تعرف/ راجلها متشرف/ امعاه كتلطف/ عيشتهم مرضية». ويتهم الزوجة بالأمية، وأن أبويها لم يربياها التربية التي تخلق الجيل الجديد من الأولاد الذين يخدمون البلاد.
إن كل طموح الزوج هو أن تكون زوجته معينة له على الزمان، بحجة أن الأضحية ليست فرضا، وأن من بإمكانهم أن يضحوا هم أصحاب المال ذوو الدور الكثيرة. أما من كانت فلوسهم قليلة، فلا يلزمهم العيد (يضحّيوا أصحاب المال/ والديور على الاشكال/ واللي فلوسهم قلال/ ما عليهم لازميا)، منبها إياها إلى ضرورة التعقل، فالعصر قد تبدل، وعليها أن تفكر بشكل مختلف: (ديري معايا لعقل/ العصر تبدل/ والمغرب استقل/ نعيشو في الحرية). تعتبر المرأة كلامه تخريفا، وأن عليه الرضوخ لتحقيق مطالبها كاملة، وإلا فما عليه سوى تطليقها، وستجد زوجا أحسن منه يلبي كل رغباتها وطلباتها. يقدم الشاعر نقدا عنيفا للعادات والتقاليد التي بدأت تسود في المدن صبيحة الاستقلال، ويرى أن الالتزام بالدين ينبغي أن يكون في السلوك والأخلاق، وليس في المظاهر الدنيوية التي تحول الدين عن مقاصده الحقيقية. حين يعرض الشاعر الشعبي قضايا الناس بوضوح لا يتهمه أحد بالغموض.

٭ كاتب مغربي

قد يعجبك ايضا