من أجل مسارات جديدة للرواية العربية: مراجعة ثانية للعلاقة بين الثيمة والشخصية

حسن سرحان

 

رغم ما أوردته في مقالي السابق الذي نشرتْه «القدسُ العربي» في عددها الصادر يوم السابع عشر من الشهر الماضي، ما زلت أجد حاجة للعودة، ولو بسرعة لكن بعمق أكبر ومن زاوية مختلفة هذه المرة، إلى العلاقة الوثيقة بين الثيمة والشخصية داخل الرواية. بالنسبة لغير المعنيين بشؤون علم السرد، وربما لبعض المشتغلين في هذا المجال أيضاً، قد يبدو ارتباط الثيمة بالشخصية أمراً بديهياً لا نحتاج أن نبحث فيه ما دام هذان العنصران ينتميان، في النهاية، إلى عالم النص، حيث الاتصال والتواصل شيء مفروغ منه بحكم الضرورة. مع ذلك أظن أن هناك جوانب تتعلق بالصلة بين الثيمة والشخصية لم تُدرس بشكل واف، أو لنقل إنها بقيت في الظل لسبب أو لآخر، ولم يُسلط عليها ما يكفي من الضوء لاستجلاء طبيعتها وإيضاح خصوصيتها، ولو بالنسبة للقارئ العادي في أقل تقدير. طلباً لذلك سأراجع، في مقالي الحاضر، الصلة الجدلية بين هاتين الوحدتين السرديتين، لا بصفتهما مظهرين لسانيين ومكونين تركيبيين من مكونات الخطاب الروائي وحسب، بل من جهة كونهما استراتيجيتين سيميائيتين و«موقفين تأويليين» قادرين، عن طريق نظام علاقاتهما الداخلية المعقد، على صياغة سلاسل كثيرة من الإحالات ذات المرجعيات المختلفة. استكمالاً للموضوع، سأتطرق في النهاية إلى الطاقة التي تمتلكها الشخصية من أجل فرض شكلها الخاص على الثيمة ومساهمتها الفعالة، إذا ما اهتدى الروائي إلى توظيف تلك الطاقة بطريقة جيدة، في فتح آفاق واسعة أمام الرواية لتطوير ثيماتها، فضلاً عن خدمة الجانب الجمالي العام للنص الروائي.
إذا كانت الثيمة وما يتولد عنها من حكايات هي الناظم التركيبي المركزي المتحكم بالعملية السردية داخل الرواية والضابط الرئيس لميكانيزماتها، فإن الشخصية الروائية، بما تحويه من قدرات تواصلية متعددة الأبعاد، وما تنطوي عليه من قيم مضمونية، هي المكون الدلالي الأساس للثيمة، وبالتالي للحكاية من حيث أن العناصر السردية، من وجهة نظر التأويل السيميولوجي خصوصاً، علامات تحيل الواحدة على الأخرى، كما سبق وقدمنا. وفق هذا المبدأ المتصل، يمكن للشخصية أن تكون، بالنسبة للثيمة ومن ثم للحكاية، العنصر المؤهل للاستثمار أكثر من غيره، خصوصاً عند تعلق الأمر بحمل المعاني وإيصال الرسائل وتمرير شيفرات الخطاب الروائي. رغم ما قاله عنها بارت وجينيت وتودوروف وآخرون، تبقى الشخصية في العمل السردي صاحبة الأوَّلِية في توليد الدلالة والأسبقية في إنتاج «الأثر» فهي مركز التأويل ومنْفَذ التأثير والوحدة السردية الفريدة القادرة أكثر من غيرها- بسبب قابليتها على الانزياح وخرق إطار النص- على أن تجعل من الثيمة دليلاً ينتج خطاباً لا تنتهي سلطته في حدود المكتوب الأدبي، كما أراد البنيويون عندما قيدوا الشخصية بطوق مفاهيمهم اللسانية الوظيفية التي لا تنظر إلى الشخصية إلا من خلال الدور الذي تؤديه داخل التلفظ. عن طريق الشخصية بالذات، يمكن لخطاب الثيمة الدلالي أن يتجاوز أسيجة النص إلى خارجها فتتعدى الشخصية بذلك كونها دالة لغوية، وتنزاح حينئذ عن معناها البنيوي/السردي لتصبح معطى ثقافياً (بكل ما في هذه الكلمة من حمولات) ينتمي إلى لحظة معينة في التاريخ ويمرر تصوراً عن الحياة وينقل رؤية تكشف موقف الرواية والذات الكاتبة من العالم والواقع الذي يحيان داخله.
من هنا تبدو العلاقة بين الثيمة والشخصية ضرورية، فالثانية بالنسبة للأولى وسيلةٌ تنفيذية رئيسة وفاعلة لتحويل البنية السطحية التي تمثلها الثيمة إلى بنية عميقة (دلالية) تلعب الدور الأساس في توليد المعنى، وتوجيه التأويل وتعميق الرموز وتأصيل الدلالات الفكرية التي تشتمل عليها الثيمة وتحولاتها الممكنة. وفق هذا التلازم السيميولوجي/السردي، فإن الثيمةَ مفتقرةٌ للشخصية لأنها غير قابلة لإنتاج كون دلالي ما في حد ذاتها إلا إذا دخلت في سلسلة من العلاقات مع العناصر القادرة على منحها وجهاً إجرائياً، وأهم هذه العناصر وأكملها هي الشخصية. بكلام آخر: الثيمةُ «علامةٌ فارغة» لا تقبل التفسير بنفسها حين تعلق الأمر بالرواية، وتبقى في حاجة إلى الشخصية بالتحديد كي تكتسب بعداً تأويلياً مادياً ذا تمظهرات ملموسة تعين القارئ على إدراك ماهية الثيمات واستيعاب أبعادها الفكرية. هنا تكمن أهمية الشخصية الروائية وليس في مجرد أنها الوحيدة، دوناً عن باقي مكونات السرد، القادرة على إنجاز الحدث كما رأى أرسطو وتابعه على ذلك بروب والشكلانيون الروس، وإن كانت تحليلاتهم في هذا الشأن أعمق وأكثر علميةً. غير أن ذلك لم يمنعهم من الذهاب أبعد من الفيلسوف اليوناني في التقليل من ضرورة الكائن الروائي بالنسبة للثيمة والحكاية الناشئة عنها، فقد عزلوا الشخصية عن الثيمة ونظروا إلى الأولى على أنها زائلة وعرضية، وبلا أهمية على الإطلاق، حتى إن توماتشفسكي أنكر على الشخصية لعب أي دور في صياغة المتن الحكائي، ووصل الأمر به حد القول بإمكانية الاستغناء كلياً عنها، ووافقه على هذا فيليب سوليرس (في رواياته التجريبية مثل «دراما» و«أرقام») ومِنْ قبله الروائيون الفرنسيون الجدد (روب- غرييه وناتالي ساروت وروبير بانجيه بالتحديد وبشكل أقل كلود سيمون).
من حسن حظ الرواية أن هذه النظرة الإهمالية، الاختزالية والإقصائية للشخصية لم تدم طويلاً، لا على مستوى علم السرد ولا على مستوى الإبداع الروائي. نظرياً، أعادت السيميائية، ممثلةً بفيليب هامون على وجه الخصوص، ونظريات التلقي التي صاغها أيزر وياوس وهيرمينوطيقا غادامير، أعادت هذه المنهجيات الاعتبارَ إلى الشخصية، جاعلة منها رهان التواصل في العمل الروائي والعنصر السردي الأهم، الذي يسمح لثيمة النص، بل لكل أشيائه، بالنفاذ إلى العالم الخارجي. من جانبها، فقد ساهمت الرواية، عن طريق كتّابها النيوكلاسيكيين المعاصرين (باتريك موديانو، آني آرنو، جان أشنوز، أمبرتو أيكو، أورهان باموق وغيرهم) بتوجيه العناية مرةً أخرى نحو الشخصية الروائية عندما تعاملوا معها على أنها كينونة ممكنة التجسد وبعدٌ سوسيوثقافي وتاريخي له تحققات خارج نصية محسوسة ولا يمكن إغفالها.
ناهيك عما تقدم، هناك جانبٌ آخر للعلاقة الجدلية بين الثيمة والشخصية يتعدى السيمياء، والتفكيك والتلقي هو ذلك المتعلق بقدرة الشخصية على أن تفتح أمام الثيمة نوافذ توليدية واسعة ليس على المستويات الفكرية والقيَمية فقط، بل والجمالية أيضا. ارتباطاً بهذه الفكرة وتأسيساً عليها أقول: إن استحداث الرواية العربية الراهنة لنوعيات جديدة من الشخصيات الروائية التي تختلف في وعيها وسلوكها وعلاقتها بالعالم، وفي طبيعة بنائها الفني عن تلك التي تصدّرت واجهةَ المشهد الروائي في بداية القرن العشرين ووسطه وحتى نهايته، عامل مهم جداً له أن يساعد كثيراً على إنتاج ثيمات سردية غير مألوفة ولا مكررة تمنح الرواية العربية والروائي العربي الفرصة التي يُنتظر منه اغتنامها لمعالجة المشكلات الجديدة التي تطرحها اليوم مفاهيمُ وإشكالياتُ مجتمعات ما بعد الحداثة وما بعد بعدها. ولنا في هذا المجال أسوة حسنة برواية ما بعد الحداثة الغربية. عندما استبدلت هذه الرواية عالمَ الوحدة والانسجام والمعنى الذي أفرز ثيمات وشخصيات رواية منتصف القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بعالم الضياع والفوضى والتشتت والتوتر الكبير، فإنها اعتمدت بشكل لافت على اختراع نوعيات جديدة من الشخصيات الروائية، ما أعطى المجال لولادة المواضيع السردية المتنوعة والمختلفة، التي قدمتها الرواية الغربية بين الحربين، وبعد الحرب العالمية الثانية بشكل خاص. من الأمثلة الواضحة على هذا الارتباط الجدلي بين تجديد الشخصيات واختراع الثيمات الطازجة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: «أوليس» لجيمس جويس و«البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست و«رجل بلا ملامح» لروبير موزيل و«مزيفو النقود» لأندريه جيد و«القصر» لكافكا و«الغثيان» لجان- بول سارتر و«الغريب» لألبير كامو و«المماحي» لروب-غرييه حيث منحت الشخصيات الرئيسة لهذه الروايات المؤلفين المذكورين اللحظة التاريخية المناسبة لمناقشة ثيمات لم تعرفها الرواية السابقة بشكل كبير، أو أنها عرفت جوانب منها وغابت عنها أخرى.
من تلك المواضيع التي تم اختراعها أو تطويرها بفضل الشخصية في رواية ما بعد الحداثة الغربية، نشير إلى الضياع في المدينة الحديثة وإعادة اختراع الماضي وبنائه عن طريق الذاكرة الشخصية والخوف الوسواسي من العالم والوجودية والعبث والتهكم على الأسطورة وغيرها من مواضيع بكر ما كانت لتوجد لولا النوعية الاستثنائية للشخصيات الروائية التي جعلتها ممكنة وقابلة للتحقيق. من هنا يتضح دور الشخصية الكبير في السير بالرواية على طريق تحريك وتغيير الثيمات العتيقة المتخشبة، وبلورة مسارات إبداعية جديدة وصياغة استراتيجيات كتابــية قد تقود إلى تحول نوعي – أقله على مستوى المضامين- يعين الرواية العربية الراهنة على تجاوز حصار «الصنميات الثيمية» لعلها، إن فعلتْ، تكف عن التدحرج نحو الانحدار والانغلاق.

٭ كاتب عراقي

قد يعجبك ايضا