قراءات آخر الصيف: أحمد العلاونة وحمد عبد المحسن الحمد

غادة السمان

 

وقفتي اليوم مع كتابين يستحقان القراءة المتأنية…
أبدأ مع كتاب «أحمد مشاري العدواني من الأزهر الشريف إلى ريادة التنوير» الصادر عام 2018 في الكتاب الشهري «للمجلة العربية» جمع فيه حمد بعض قصائد أحمد المشاري في «ومضات من حياة شاعر الكويت الحاضر الغائب» 1923 ـ 1990، إلى جانب تقديم أكاديمي الدقة.

كَتَب النشيد الوطني للكويت

مثل بعض القراء العرب وعشاق الأدب، سمعت باسم أحمد مشاري العدواني، لكنني لم أعرف الكثير عنه، ولعل السبب يعود إلى زهده الصادق في الشهرة، كما كتب عنه عبد الله الشيتي: «ما عرفت في حياتي الصحافية والأدبية إنسانا كبيرا بحق، زاهدا بالمظاهر والمفاخر وحب الظهور كأحمد العدواني»، وكتب أحمد النفيسي (رئيس تحرير جريدة «الطليعة» الكويتية): «العدواني إذا اشتهر بشيء أكثر من كونه شاعرا مبدعا ومعطاء هو نكران الذات والتسامي عن جني ثمار إبداعه من الشهرة، فكيف بشاعر وضع توقيعه على علم الكويت عندما نظم نشيدها الوطني؟».
الشهادات الإيجابية في العدواني كثيرة ونجدها في الكتاب، وجُهد المؤلف حمد عبد المحسن الحمد يستحق التقدير العلمي إلى جانب التمني بإصدار طبـــعة ثانـــــية لهذا العمــــل الأدبي توزع على نطاق واسع تجاري ليتعارف القارئ العربي مع مبدع كويتي شهد له الكثير من الأدباء والنقاد، منـــهم: شاكر مصطفى، ومحمد الرميحي، وجابر عصفـــور، وعبد العزيز حسين، ونزار قباني الذي قال: «على أرض الكويت أجلس لأفكر بك أيها الصديق العظيم»، ويكاد هذا الكتاب (176 صفحة) أن يكون موسوعة مصغرة!

زاوية نظر مبتكرة ومشوقة

كتاب «الزوجان العالمان» لأحمد إبراهيم العلاونة ـ 2018، الصادر عن سلسلة «كتاب المجلة العربية»، ورئيس التحرير الأستاذ محمد بن عبد الله السيف، كتاب جذاب لعشاق الأدب والفكر، فهو موسوعي ومختصر، والعرب الذين يتحدث عنهم ثمة من يماثلهم في العالم الغربي، مثل سارتر، وسيمون دي بوفوار، والشاعر هوارد هيوز وزوجته الشاعرة سيلفيا بلاث التي انتحرت ولامت الأدباء على ذلك، وفريدا، ودييغو الفنانان المبدعان وغيرهم كثر. وفي تقديم للدكتور أحمد مطلوب: «وضع كتابا يشهد له بالعلم الواسع في معرفة الاعلام»، وأضيف إلى ذلك أن المعرفة الموسوعية التي يتمتع بها العلاونة هي أسلوبه في حب الأدب ويتعب بانتشاء في جمع المعلومات ولا يمكن لأي موسوعة أن تنجح إلا إذا كان المؤلف يستمتع بما يفعله.

العناء لقطف باقة أزهار موسوعية

العلاونة عاشق لعمله الموسوعي حتى في مقالاته التي قد يتوهمها البعض عجالات، لكنها تشير إلى فرادة الرؤيا، كما في مقال له قرأته مؤخرا وهو «تغيير عناوين الكتاب عند المؤلفين المعاصرين»، ونكتشف عبره 36 عنوانا لكتب عربية صدرت في طبعتها الأولى تحمل عنوانا ثم تم تبديله في الطبعة اللاحقة.. ومنها مثلا كتاب الشاعرة العراقية نازك الملائكة الذي صدر أولا بعنوان (محاضرات في شعر علي محمود طه) وهو العنوان الذي اختاره الناشر (معهد الدراسات العربية) بالقاهرة ليتمشى مع سلسلة الكتب التي يطبعها المعهد، ولكن نازك حين أعادت طباعته قامت بتسميته «الصومعة والشرفة الحمراء»، واحتفظت بالعنوان السابق كعنوان فرعي. وقدم لنا أحمد العلاونة في المقال 36 مثالا وذكر أن بعض العناوين تبدلها دور النشر، ولكن يعود المؤلف إلى العنوان الذي أضمره، وبالتالي يبدل عنوان كتابه، وذلك في الطبعة الثانية التي يملك حقوقها.
هذه المتابعة الموسوعية ما كنا لنطالعها لولا غرام العلاونة بهذا العمل الذي يتطلب الدقة والأمانة العلمية. وهو ما جاء أيضا في تقديم الدكتورة خديجة الحديثي ـ بغداد ـ بقولها عن العلاونة: «هو جدير بالثقة بعد أن تمرس في دراسة العلماء ووضع المعاجم في الاعلام تذييلا واستدراكا».

«الزوجان العالمان» يكمله القراء!

أحب التذكير بأسماء لم ترد في الموسوعة، منها مثلا الدكتور رمزي منير بعلبكي وزوجته الأديبة فيروز قاردن، وآخر كتب الدكتور رمزي: «العربية، هذه اللغة الشريفة» وهو أحد أصحاب «دار العلم للملايين» في بيروت، والأستاذ الجامعي الكبير، أما زوجته الأديبة فيروز قاردن التي تحرص على الابتعاد عن الأضواء الإعلامية فلها سلسلة كتب قيمة للأطفال نشرتها «دار العلم للملايين».
وأعتقد أن الموسوعة «الزوجان العالمان» ستصدر لها طبعة أخرى بعد أن يسهم المعجبون بها في تزويد المؤلف بمعلومات إضافية في عملية علمية تكاملية، كأن كتاب العلاونة هو النواة الأولى المثمرة، وصاحب الفكرة الجديدة الملهمة.

الرجل يدعم المرأة المبدعة

يلاحظ أحمد العلاونة مؤلف كتاب «الزوجان العالمان» في تقديمه، أن إنتاج «الزوجان العالمان» يزداد غزارة بعد الزواج.. ويلفتنا إلى أن زواجهما يستمر ولا ينقطع بالطلاق.. وهذا على الأقل ينطبق عليّ، فقد دام زواجي وبشير الداعوق 38 سنة ولم ينته إلا برحيله الفاجع (لي) عن كوكبنا..
والرجل المبدع الواعي يدعم عطاء زوجته كما تدعمه، بل ويحرص على تنميته وهو ما عشته إلى جانب زوجي الراحل د. بشير الداعوق، وحين تزوجنا كنت قد أصدرت ثلاثة كتب فقط، وبفضل دعمه (وجنوني الأبجدي) صار في حوزتي 50 كتابا.
وأختم بشهادة للدكتور أحمد مطلوب، رئيس المجمع العلمي في بغداد، حول «كتاب العلاونة» وقــــــوله: «كتاب كسفينة نوح ضم بين دفتيه أزواجا وزوجات من الأقطار العــــربــــية جمعــــهم العلم والأدب والإبداع وطاف مزهوا بأمة أنجبتهم، وسيبقى يطوف في مشرق الوطن العربي ومغربه مبشرا بوحدة العرب». ـ 2018 ـ وأظن أن أحمد العلاونة سبق النقد الغربي في زاوية النظر هذه إلى «الزوجان العالمان»، ولم يسبقه إليها ناقد غربي موسوعي.

قد يعجبك ايضا