حَنِيف قُرَيْشي يُطارِدُ شكوكَ الإنسان في رواية «كأنّ شيئا لم يكن»

 

وهج 24 : أصدر الروائي والسيناريست البريطاني حنيف قُرَيْشي، المولود سنة 1954 لأب باكستاني وأمّ بريطانية، سبعَ روايات كانت آخرها روايته «اللاشيء» التي نقلتها إلى الفرنسية الجامعيةُ فلورنس كاباريه ونَشرتها مؤخّرا عن دار «بُورْجوَا» في باريس بعنوان L’Air de rien (ونقترح ترجمة هذا العنوان بـ«كأنّ شيئا لم يكن»). وهي رواية مَشْهديّة استثمر فيها حنيف قريشي خبرته بالدراما السينمائية في اختيار موضوعها وفي صوغ حبكتها الفنية، ويسعى فيها إلى قراءة الجسد الآدميّ في ارتهانه إلى سُلطة أحواله الأكثر طبيعيّة، بل والأكثر حيوانيّة، كالانتقام والخيانة والخوف من الشيخوخة، ضمن حكاية تشابكت فيها مصائرُ ثلاثِ شخصياتٍ هي «وَالْدُو» المُخرج السينمائي الشهير الذي أجبرته «سكتة دماغيّة» على الدخول في فترة شيخوخةٍ إجباريّة، وأفقدته كلَّ قدرةٍ على الحركة والكلام، وأقعدته على كرسيٍّ متحرِّكٍ في بيته الفاخر في حيّ فكتوريا في لندن، وزوجتُه زينب، ويناديها «زِي»، وهي الشابّة الجميلة التي عاشت معه مجدَه الفنيَّ وسافرت معه إلى أجمل مُدن الأرض، وظلّت تُظهر له عنايتَها به وتُخفي عنه حالة من الهشاشة النفسية والإحباط العاطفيّ، وصديقُه «إيدي» الشّابُ المَرِحُ الذي كان هو قد أوكل إليه مهمّةَ كتابة سيرته الذّاتية.

نافذة على الدّاخِلِ

إنّ الشيخوخةَ، على حدِّ ما يصفها بطل الرواية والدو هي «طفولة جديدة»، هي فترةٌ من الحياة مأساويةٌ وجارحةٌ، تلتقي فيها رغبتَان متناقِضتَان: رغبةُ الطّفل في تملُّك الأشياء والأحياء من حوله، ورغبةُ الشيخ في التخلّي عن نفسه، وعن كلّ ما يصله بالحياة من متاعٍ وعلائقَ وأحلامٍ. وعلى حبلِ هذا التناقض تجري حكايةُ رواية قريشي، وتجرفُ بسُخْريةٍ لاذعةٍ كلَّ ما يعترض مَجْراها من نظامياتٍ اجتماعية وثقافية وعاطفيّة. ولعلّ الفنَّ هو السلاحُ الناعِمُ الذي بقيَ ممكنا بالنسبة إلى «والدو» ليُعيدَ به، رغم وَهَنِ جسده، ترتيبَ فوضى العالَم وهذيانِه من حوله، وليُخفِّفَ به من حجم الشكّ الذي يأكل روحَه بعد أن صار مثل «قطعةِ خُضارٍ في طور التحلُّلِ ومحتجزةٍ في كرسيٍّ متحرِّكٍ»، وهو ما جعل حياته تتوزّع على زمنيْن متداخليْن: فمن جهة هناك زمن الماضي بكلّ مجده الفنيّ الذي وصفه بقوله: «كنّا مثل الرأسماليين نحصل على كل شيء، ويصل بنا الأمر حتى إلى سرقة حياة الآخرين»، وتُحيلُ عليه بَكَراتُ أفلامه، وبطاقات المجاملة المُرسَلة له من أشهر الفنانين، وصورُه مع نجوم الموسيقى والسينما على غرار كلّ من «جو ستامر» و«دنيس هوبر»، إضافة إلى صور تكريمه في مهرجان «كان» السينمائي. ومن جهة ثانية هناك زمن الحاضر، هذا الزمن الذي ليس له مستقبل، على حدّ قول الناقدة الأدبية كريستين ماركاندييه ضمن قراءتها لرواية قريشي نفسِها، وهو زمنٌ لم يبق فيه من خيار أمام «والدو» سوى الاستسلام لخياله وتصوّراته، فنراه يلوذ بهاتفه المحمول، وبكرسيّه المتحرّك، ليتحوّل بجسده المقعَد إلى كاميرا متنقّلة تلتقط وتُسجّل، بارتياب ممزوج بغيرة، كل الملاحظات والمشاهد المتصلة بما يجري من حوله ويخاله هو دليلا على وجود علاقة غرامية بين زوجته زينب وكاتب سيرته الشاب «إيدي». فهل رواية قريشي، على حدّ ما تساءلت كريستين ماركاندييه، هي مُخَطَّطٌ ميكافيلي لامرأة تستغل عجزَ زوجها الجسديّ لتتمكن أخيرا من الاستمتاع بالحياة؟ أم إن كل ذلك ما هو إلا خيالٌ مُضلِّلٌ يبلغ حدودَ الجنون لمراقب هيتشكوكي؟ إنّ الظاهر من أمر هذه الرواية هو أن قريشي جعلها «نافذة خَلْفية لا تدور عدستُها نحو شرفات الجيران، وإنما نحو شقته الخاصة»، وجعل منها فيلمَ «والدو» الأخيرَ، بل جعل والدو نفسَه مُخرِجَ هذا الفيلم الذي لا نعلم مقدار الحقيقة فيه ولا مقدار الخيال، ولكننا نشاهد فيه فصول حياة والدو الشخصية، ونشاهده، وهو يكتفي في عيشها بالرؤية والتخمين والصمت: «ذات ليلة، بينما كنت مكلوما بعجزي الجسديّ ومرضي، ولم أكن محتاجا فيها لأنْ يتدهور وضعي الصحيّ والنفسيّ أكثر ممّا هو عليه، عاد الضجيجُ من جديد. أنا واثق من كونهما يمارسان الآن الحب في غرفة زينب المجاورة لغرفتي».

مُتعةُ الشَكِّ

وإذا كان «والدو» معاقا جسديّا، فإنه ليس عاجزا تخييليّا، فقد ظلّ متّقدَ الذّهن، ومتوهّجَ الخيال، لا يكتفي بما يرى، وإنّما يبحث عن ذاك الذي يتخفّى وراء ما يراه، إنّه ببساطة يخلق الشكَّ، ثمّ يعشقه ويُصدّقه، ولعلّ كلّ متعةِ رواية قريشي تكمن في هذا الشكّ الذي في ذهن بطلها والدو، شكّه في العالَم من حوله، وشكّه في مدى قدرتنا نحن القرّاء على تمثّل حكايته، ذلك أنّه بقدر ما ساهمت التكنولوجيا الذكيّة في تكشّف العالَم، زادت من منسوب الشكّ في حقائقنا، بل شوّهت كلّ حقيقة فينا، حتى حقيقة مدينة لندن ذاتها، حيث يراها والدو «مدينة منهكة ومقبلة على الانهيار، بل سخيفة». ويبدو أنّ هذا الشكّ المشوِّه للحقائق هو جوهر رواية قريشي: أي كيف يعيش الإنسان مع شكوكه المتزايدة؟ لقد وجد والدو طريقة للعيش مع شكوكه، وذلك ليس بتجاوزها وإنّما بتوثيقها، وتمكينها من كلّ الخيال الكافي لتصير حكاية، لا يهمّ فيها إن كانت مُشوَّهَة أو مستفزِّة للمشاعر، ما يهمّ والدو منها أن تكون قابلة لأن تتحوّل إلى سيناريو، وأن يكون هو مُخرِجَ ذاك السيناريو سينمائيا، ويكون بطلَه في الآن ذاته، وقد استعان في ذلك بمشاهد مرئية أو مسموعة كان سجّلها في هاتفه المحمول لحركة زوجته زينب وكاتب سيرته الشاب إيدي، وبملاحظات عديدة حول سلوك هذا الأخير، عشيقِ زوجته زينب المحتمَل، تكفّلت بنقلها إليه بسريّة تامّة ممثّلة كانت قد عملت معه في أفلامه. غير أنّ الشكّ ظلّ يتنامى في روح المُخرِج والدو، مانعا عنه بلوغ أيّ فهمٍ، وهو ما يحضر في قوله الساخر: «عندما نحاول أن نفهم ما يحدث لنا، فإننا نكون دوما مخطئين؛ أستحضِرُ خيالي، مثل ساحر، لأضع سيناريو كاملا، وفي الآن ذاته أزدرد ملعقة من مثلجات المانجو». ولمزيد زرع جذور الشكّ في الحكاية، وفي ذهن قارئها، يعمد الراوي، والدو، إلى الدفع بزوجته زينب إلى السفر إلى باريس صحبة الشاب «إيدي»، ثم يُضيِّع «إيدي» في باريس ليزيد من قلق زينب عليه من شكوكها فيه، ثم إنه يُظهره فجأة بكثير من الغموض، فإذا نحن أمام ساحر ماهر يُجيد فنّ التلاعب بلهفتنا القرائيّة، ويعرف كيف يشدّنا إلى حكايته، بل هو لا يبلغ بنا مبلغ تجاوز الحيرة، فلا نعرف منتهى علاقة زينب بالشاب إيدي، هل هي علاقة غرامية حقيقية؟ أم هي شطحة من شحطات مخرِجٍ سينمائيّ أراد أن يُتوِّجَ مسيرتَه السينمائيّة بصناعة فيلمٍ خياليٍّ يتجاوز به عجزه الجسديّ؟
يبدو أنّ كثيرا من جهد الرواية منصبٌّ على تحليل شخصية والدو، والترحّل بها من حيّزها الشخصيّ إلى حيّز الممكن العامّ لكلّ إنسان، ومن العجز الجسديّ إلى القدرة التخييلية، ومن حِكْمة الشيخوخة إلى عبث الأطفال بكلّ شيء حتى بالحميم من حياتهم الشخصية. فلا يمكن لهذا الذي يقول: «أسمع الناس الذين يتناولون الطعام في باريس والذين يديرون صفحات كتاب في ستوكهولم، والذين يمارسون الحب في روما، والذين يُغنّون في مدريد»، إلاّ أن يكون كائنا قد حرّر جسده من أقانيم مجموعته الاجتماعية سواء ما كان منها ثقافيا أو أخلاقيا، بل حرّره من شرط الفيزيائيّة الطبيعية، ومكّنه من أن يكون جسدا رائيا لعذاب الإنسان وغموض العالَم من حوله، وراويا لحكاية ذاك العذاب، وهو ما نميل معه إلى القول إنّ رواية قريشي إنما هي رواية الجسد الآدميّ وهو يُطارد شكوكَه، يطاردها خارج فضاءِ معقوليات الدنيا.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا