خديعة السلام: ترمب، غزة، ومجلس السيطرة الاستثماري
أسماء الجرادي ….
منذ أن عاد دونالد ترمب إلى واجهة المشهد السياسي العالمي، لم يقدّم للعالم سوى نسخة جديدة من سياسات السيطرة والنهب والتهديد التي انتهجها منذ وصوله الأول للبيت الأبيض. يتحدث عن “السلام” وعن غزة وكأنه بطل قومي جاء ليمنحها الأمان، بينما هو وحش بشري تسبب في كثير من الحروب والجرائم وسفك الدماء. فالواقع في القطاع المحاصر الأرض غارقة بالدماء والجوع والبرد يفتك بأبنائه، فلا يخلو يوم من سقوط شهداء بالقصف المباشر من طيران العدو.
وما يُسمى بـ”مجلس السلام” الذي أسسه ترمب تبين أنه ليس سوى شركة استثمارية ضخمة، يجمع فيها الطغاة والمجرمين من الصهاينة ليكونوا شركاءه في رئاسة المجلس وإدارة غزة، وكمشروع اقتصادي في قلب الوطن العربي، لا أرضاً محتلة ولا شعباً يناضل من أجل الحرية.
إن ما يجري في غزة اليوم هو خطة محكمة لإنقاذ إسرائيل بعد الضغوط الهائلة التي تعرضت لها وفشلها الذريع في إنهاء المقاومة واحتلال القطاع بالقوة العسكرية. لقد استخدم الأمريكان والصهاينة وأعوانهم طريقة أخرى لاحتلال غزة وتسليمها عبر الضغط السياسي والاقتصادي بعد أن فشلوا لسنوات من السيطرة عليها برغم الهالة العسكرية والاستخباراتية والإعلامية الكبيرة التي استخدمها العدو في عدوانه على غزة.
أعلن ترمب عن خطة تتضمن عشرين بنداً. ترك ما يسمون أنفسهم الوسطاء كل البنود وتذكروا فقط بند تسليم سلاح المقاومة في ظل القصف والاحتلال والقتل والتدمير والجوع والفقر التي مازال يعاني منها أهل غزة إلى اليوم.
يتبين هنا أن تلك البنود لم تكن سوى وسيلة استخدمها لإنقاذ إسرائيل من مستنقع غزة بعد فشلها العسكري، وتسليم غزة طوعًا عبر الضغط السياسي والاقتصادي، وتحويلها إلى مدينة استثمارية لترمب والصهاينة في قلب الوطن العربي، وبهذا يكون كل الوطن العربي في قبضته.
ثم أعلن البيت الأبيض عن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة تحت إشراف دولي، مع ترتيبات أمنية وإدارية. وهنا يتضح عملياً تدويل القرار الفلسطيني وتسليم غزة سلماً بعد أن عجزوا عن احتلالها عسكرياً. هذا الأمر خطير جداً إذا ظلت المقاومة تستجيب لكل ما يُطلب منها من تنازلات.
يتحدث ترمب بغرور عن تزعمه للعالم كـ”قائد للسلام” و”ولي ووكيل عن غزة”، وتم تشكيل مجلس السلام، وطلب من كل دولة ترغب بالانضمام للمجلس دفع مليار دولار، ما يوضح هنا أن المجلس ماهو سوى شركة استثمارية ضخمة لصالح ترمب وشركائه.
جمع ترمب الطغاة والمجرمين من الصهاينة ليكونوا شركاءه في رئاسة المجلس. وضم المجلس شخصيات ملوثة بتاريخها مثل توني بلير، الذي ارتبط اسمه بغزو العراق وتدميره، ليكون جزءاً من هذه المنظومة التي تُدار بيد واشنطن، بالإضافة إلى عدد من المجرمين الصهاينة.
يتضح هنا أن المجلس يكرّس نفوذ واشنطن ويهمّش دور الشعب الفلسطيني، ويحوّل غزة إلى مشروع نفوذ طويل الأمد.
الهدف هو تسويق مشروع استثماري أمني يُعيد تعريف غزة كمنطقة نفوذ اقتصادي، بينما يُستبعد الحديث عن الجرائم والانتهاكات اليومية، وعن إطعام الجوعى، أو وقف القصف والتدمير الهائل ، والتوسعات الصهيونية عند الخط الاصفر.
إنهم يتحدثون عن طريقتهم للسيطرة على غزة، لا عن إنقاذها، ولهذا فقد رفضت عدد من الدول الحرة في العالم المشاركة في ما يسمى مجلس السلام لما عرفوه من أهداف مشبوهة لترمب ومنها محو فلسطين وشرعنة احتلالها.
إن سياسة ترمب، منذ وصوله للبيت الأبيض، قامت على التهديد والسيطرة والنهب، واستطاع إخضاع الكثير من “جبناء العالم” بأساليب متعددة.
وتتجلى الخديعة الترمبية في خطته لغزة من خلال:
إدخال المساعدات مشروط بنزع سلاح المقاومة، أي استخدام الجوع والبرد كسلاح تفاوضي لتركيع الشعب والمقاومة.
تدويل الإدارة: اللجان الوطنية تحت إشراف دولي تعني عملياً تسليم القرار الفلسطيني للخارج.
سردية الإعمار: الحديث عن مشاريع إعمار بينما الواقع هو قصف ودمار وتهجير مستمر.
كل بنودهم وعهودهم واتفاقياتهم لن تنقذ أحدًا حينما ينقضون بالكامل على غزة، فهم لا يتبعون إلا الخديعة والغدر والظلم والاستكبار والغطرسة.
تجارب المنطقة تثبت أن “السلام” الذي يُطرح ليس سوى غطاء للهيمنة، وأن المقاومة تُستهدف دائماً لتُشلّ، وأن الجميع يعمل لمصلحة العدو:
في لبنان: الاتفاقيات التي أبرموها لوقف الحرب والسلام لم تمنع التوغّل والقصف، إنما كبّلت المقاومة بينما العدو يواصل اعتداءاته. لم ينظر أحد إلى انتهاكات الصهاينة، فيما المقاومة تُترقب لو تطلق رصاصة واحدة. المقاومة اليوم مكبلة، ويزداد تجرؤ العدو وأعوانه في الداخل بالضغط عليها لتسليم سلاحها بالكامل، حتى سلاح الكلمة، فيكتمونها ويمنعون الأحرار من كلمة الحق ويأخذونهم إلى السجون. إنهم يعملون على تمهيد كل الطرق لسيطرة الصهيونية الكاملة على البلد. تماماً كما حدث ويحدث في سوريا، فالجماعات المسلحة استُخدمت لتسليم البلد طوعاً والسيطرة الصهيونية الكاملة عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو نفسه ما يُراد تكراره في غزة عبر أدوات جديدة، لتسلم غزة طوعاً، فيستبيحوا الأرض والعرض ويهجروا أهلها وتُنهى المقاومة، وما خططوا له في ايران وفشلوا بفضل الله.. كل هذه التجارب تثبت أن “السلام” الذي يُطرح ليس سوى غطاء للهيمنة، وأن المقاومة تُستهدف دائماً لتُشلّ، وأن الجميع يعمل لمصلحة العدو.
في ظل هذه المخططات، يبرز النموذج اليمني كدرس عالمي في الصمود والمقاومة، يثبت أن السلام مع هؤلاء لن ينفع إلا بالقوة وليس بالتنازل:
اليمنيون واجهوا تحالفاً واسعاً بالقصف والتهديدات، ولم ترهبهم التهديدات النارية التي أطلقها ترمب عند دخوله البيت الأبيض، ولا القصف العنيف ولا كثرة الشهداء. إنما ازدادوا استبسالاً وقوة وإرادة واستعداد على المواجهة لآلاف السنين. فأثبتوا أن الشعوب قادرة على الدفاع عن أرضها رغم التضحيات الجسيمة، وكسروا معادلة الهيمنة التي أراد ترامب فرضها على “جبناء العالم”.
الكاتبة من اليمن