مديح للنائم الجميل

رشيد المومني

 

الكتابةُ عن الشاعر والكاتب خيري منصور، لا يمكن إلا أن تأخذ شكل مديح، مشوب بحرقتِه الجارحةِ. مديحٌ مأخوذٌ بفتنة نصوصٍ غيرِ حريصةٍ أبدا على أن تكون شبيهة بما ينكتب هنا أو هناك. كما هو مديحٌ حزين ومكلومٌ بألم فقْدٍ مباغتٍ أبدا لم يكن واردا في خاطر الكتابة، أو حسبانها. وفي حيز ضيق كهذا، الذي بالكاد، يسمح بتلويحةِ وداع حائرة ومرتبكة، لن يكون بوسعي سوى الاقتصار على الإشارة الخاطفة إلى عمق تلك الخبرة الاستثنائية التي تميزت بها تجربة كاتبنا، وهي تنتشي باشتغالها اليومي أو الأسبوعي على قضايا غالبا ما يتداخل فيها الفكري والإبداعي، والموجهة برؤيةٍ لا يستقيم تحت قوة ضوئها، أيُّ أثرٍ لظلمةٍ محتملة. وإذا كان الاشتغال اليومي أو الأسبوعي بالكتابة هو المحك الحقيقي الذي يختبر فيه الكاتب حدود ما يمتلكه من ثراء نظري ولغوي، وقدرات استثنائية على التواجد الدائم في قلب الإشكاليات الثقافية الكبرى بمختلف مرجعياتها واختصاصاتها، فإن كاتبنا خيري منصور، يعتبر في نظرنا، من بين أجمل الأسماء التي دأبت على إمتاع قرائها، وكسب ثقتهم يوميا أو أسبوعيا، بغزارة وتجدُّدِ دفْقها المعرفي، الذي لا ينضب معينه أبدا. وكما هو معلوم، فإن الالتزام الحقيقي والفعلي بهذا الإيقاع، يقتضي من الكاتب الإقامة المطلقة والاختيارية في مسكن الكتابة. وهو اختيار مصيري، ونابع من تحول الكتابة ذاتها إلى صيغة حياة، وصيغة وجود. بهذا المعنى تصبح العلاقة مع أسئلة العالم، موجهة بسلطتها وقوانينها. فلا شيء يوجد خارج الكتابة، التي تأخذ بهذا الشرط، شكل وعي مضاعف مسكون بهاجس فهْم ما يحدث هنا والآن. وعيٌ لا يطمئن إلى غواية المسلمات المتناسلة في قلب المعطى، وفي قلب الجاهز، الذي يُلح على اعتبار ذاته امتدادا لحتمية متعالية، ليس للكائن سوى أن يتعايش معها بالقبول والإذعان.
تلك هي خصوصية كتابةِ خيري منصور المؤطرة بوعيها النقدي والتفكيكي، الذي لا يمل من مرافقة الكتابة في بحثها الدؤوب عن المعنى الشبيه بوحشٍ مُقَنَّعٍ، لا يكف عن العبث بشكوكنا في عمق خرابنا وانهيارنا العربي القاتل والمميت. مرافقة هي مزيج من العشق والغضب، والقلق والرقة والعنف والبساطة، وبعضِ التعقيد أحيانا، أملا في وضع حد ولو مؤقت لزحف الكارثة.
هكذا تبدو لي تجربة خيري، وهي تضيء بلهبها الخاص سماءَ القول والكشف والمساءلة، بعيدا عن بؤس أي التزام تعاقدي، يجبر الكاتب على تحرير مقالاته، كما هو الشأن بالنسبة لجيوش كاملة من الأسماء الممارسة لهذه «الوظيفة» بصيغة آلية أو تكاد، لا أثر فيها لأي مكابدة ثقافية، ولا حضور فيها لأي قلق معرفي، وممعنة في تلطيخ الغالبية العظمى من منابرنا الإعلامية المكتوبة والمسموعة .
وعلى الرغم من عزوفي شبه التام عن قراءة المقالات المكتوبة بضمير المتكلم، إلا أنني أجد نفسي للتو متصالحا معها، حينما يتعلق الأمر بتجربة خيري. إنها من بين التجارب القليلة والنادرة، التي تجدد ثقتي بإمكانية الإنصات إلى بوح هذا الضمير. ضمير خيري منصور الحي اليقظ والمرهف، العميق والخبير بأهوال السفر في جغرافيات هذه العروبة الملدوغة من قبل كافة السَّحليات السامة والموبوءة. كما إنه الضمير المتمرس بمحاورة النصوص الكونية، التي تتشكل منها وبها الهوية الإنسانية وذاكرتها. وأيضا ضمير المتكلم المتبرئ من تلك الادعاءات، التي تحاول الذوات المريضة عبثا إقناعنا بها. فحيث يهيمن الخواء المعرفي، وحيث يستبد العي ببياض الصفحة، تحتمي هذه الذوات الجوفاء، بضمير المتكلم كي تستدرجك للإنصات إليها، بذريعة واقعيةِ وصدقِ ما تهذي به وتلفقه من أوهام وأراجيف.
غير أنك وفي حضرة خيري، سوف تطمئن إلى حضور ذلك الامتلاء الإنساني والفكري الباذخ لضميرٍ متكلمٍ يحترم القارئ، ويقوده بروح عقلانية رصينة وعالمة، إلى أرخبيلات معرفية وجمالية جديرة بالمعايشة والاستكشاف، تتحول الذات الكاتبة معها إلى مجرد وسيط أنيق، يصل بين الكاتب والقارئ، كي يساعده على فتح المسالك وتعبيدها، باتجاه، فكرةٍ، حدثٍ أو قول، عودتنا منتزهاتُ خيري وأرخبيلاتُه الجمالية، على تقديمه لنا بلغة قوامها الخفة والدقة، المضيئة بشعرية تجيد تكليم العقل، قدر قدرتها على تكليم الروح .
أخلص من هذه الإيماءات المختصرة، إلى أن الكتابة اليومية أو الأسبوعية بالمقومات المشار إليها لدى كاتبنا وشاعرنا خيري منصور، ترقى من خلال تتاليها وتسلسلها، إلى بناء نسق فكري وجمالي متكامل، مواز لما دأب على تحبيره من مجاميع شعرية وأعمال نثرية. بمعنى أنها امتداد طبيعي وموضوعي لمشروعه الإبداعي والنظري، الذي كان يشتغل عليه، بكثير من التفاني والصبر والمسؤولية، عبر إصداراته العديدة والمتنوعة. إنه المشروع الموجه أساسا، لفضح الاختلالات المجتمعية بأبعادها المتسلطة، التي تطارد بعنفها وعدوانيتها إنسانية الكائن. كما إنه المشروع المكرس إبداعيا ونظريا، للاحتفاء بأسرار تلك الأحوال الغامضة والشفيفة التي تسعفنا ببهائها العالي، كلما مال بنا دَوار الوقتِ جهةَ الهاوية. فلتقر عينا إذن، أيها الجميل النائم، وأنت محفوف هكذا بكلماتك المشعة بأنوارها في ظلمة هذا الزمن العربي.
——-
٭ عنوان المقالة، مستوحى من مجموعة شعرية للراحل خيري منصور، تحمل عنوان «مراثي للنائم الجميل»

٭ شاعر وكاتب من المغرب

قد يعجبك ايضا