العرفية والذهنية الأمنية والسطوة على الحريات الأساسية
د. ماجد الخواجا. …..
يعاني قطاع الإعلام في الأردن من توالي الصفعات والقيود التي لم تتوقف منذ سنين طويلة. صفعات لا تفرّق بين كاتب ومحرر وصحافي ورئيس تحرير ومالك موقع وناشر، بين مطبوعة ورقية أو إلكترونية، بين بودكاست وبث مباشر وتسجيل. فالجميع تحت هراوة الرقيب وما أكثرهم. انتهاكات واعتقالات نخجل أمامها من تذكّر ما كان يجري في عهد الأحكام العرفية التي يبدو أنها أقل قسوةً وأكثر تعاطفاً.
إن التضييق والانتهاك قد انتقل من الغرف المغلقة والسراديب المعتمة والأقبية المظلمة، من الضغوط الخفيّة والتخويف والمنح والمنع والتصريح والحجب، ليصبح علانيةً عبر الاستقواء بسطوة القانون والتشريعات والأنظمة المكممة للفواه والمقيِّدة لحرية الرأي.
كانت أكبر ليلة لترويض الإعلام في منتصف سنة 2013 عندما قامت الحكومة بحجب 300 موقع إعلامي إلكتروني، وقيام احتجاجات ذات طابع عمّالي في الصحف الورقية اليومية الثلاث حينها وهي الرأي والدستور والعرب اليوم من أجل المطالبة بحقوقهم في الرواتب.
يوجد في الأردن لغاية نهاية عام 2022، 1177 قانون نافذ، وهناك عديد من القوانين التي يمكن وصفها بالمقيّدة للإعلام وحرية التعبير، حيث يشير البعض لوجود 24 قانون فعلي نافذ يقيّد العمل الصحافي. ويأتي في مقدمتها قانون الجرائم الإلكترونية رقم 27 لسنة 2015 وتعديلاته، وهي تعديلات اختصت بقيود غير مسبوقة للمحتوى الرقمي ومنصات التواصل. قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته ويحتوي بنوداً مقيّدة للنشر وحرية الرأي. قانون المطبوعات والنشر رقم 8 لسنة 1998 وتعديلاته. قانون حق الحصول على المعلومات رقم 47 لسنة 2007 وتعديلاته لسنة 2024. قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 26 لسنة 2015. قانون حماية أسرار ووثائق الدولة. قانون انتهاك حرمة المحاكم. قانون حق التأليف.
إن الفهم الرسمي يستند لمفهوم الوصاية والأبوية وعدم ترك الإعلام يعالج قضايا المجتمع العامة بأساليبه المتنوعة، ولم توجد ذات يوم الرغبة الحقيقية عند الحكومات بمنح الإعلام حق تقدير المواقف وطرق المعالجة لها.
عبر مسيرة الإعلام ما بعد ظهور الإنترنت، فقد حاول القطاع الخاص ولوج الساحات الإعلامية كمستثمر فيها، وظهرت عشرات المحطات التلفزيونية والإذاعية والإلكترونية “المرئية والمسموعة والمقروءة”، لكن مراجعة بسيطة لواقع تلك المحاولات يظهر لنا حجم الخسارة وعدم نجاح التجارب فيها. لقد اختفت معظم تلك القنوات والمواقع والإذاعات نتيجة عدم توفير إمكانات المنافسة الحقيقية والدعم لها بإطلاق يدها في الكيفية الإعلامية الملائمة والترويج لها.
في 14 أيار من عام 2025 أصدرت هيئة الإعلام قراراً بحجب أكثر من 12 موقع إلكتروني عربي وعالمي، معظمها مستقلة، دون إعلان رسمي تفصيلي عن الحيثيات ومكتفية الهيئة بتبريرات عامة عبر وسائل الإعلام واستخدام العبارات الفضفاضة الغامضة والقابلة لأكثر من تأويل وتفسير مثل “بث السموم الإعلامية”، “استهداف الرموز الوطنية” ومن دون تحديد وقائع بعينها وأدلّة، ودون إتاحة الفرص للمواقع المحجوبة أي مسار للطعن والمراجعة أمام أية جهة قضائية أو رسمية.
قبل ذلك قامت ذات الهيئة بمنع الموقع العالمي “تيك توك” من الظهور عبر الأثير الإلكتروني الأردني، كان التبرير حينها أن النيّة قد توجهت لإجراء حوارات مستفيضة وتفصيلية مع مواقع التواصل العالمية من أجل ضمان العدالة في صلاحية النشر وحقوقه للعرب بعد أن أصبحت التدخلات لصالح الكيان الصهيوني ونشر رواياته وما يسندها، فيما كان المنع والحجب والحظر من نصيب أية منشورات عربية بالخصوص. ولم تستجب تلك المواقع، ويبدو أن الحكومة / الهيئة، قد نسيت موضوع حجب التيك توك، الذي ينتشر عليه مئات الالاف وربما الملايين من المواطنين عبر استخدام فك التشفير.
لتجيء المفارقات المعهودة، بأن تقوم الجهات الإعلامية الرسمية بالاحتفاء والتكريم والاستقبالات الحافلة لمن يسمون “المؤثرين” المنتشرين عبر منصات التواصل الاجتماعي وأهمها التيك توك.
هكذا مضت مسيرة الإعلام في الأردن تتماوج ما بين الحريّة المقيّدة وبين انعدام الحرية. طوال المسيرة كانت المحاولات لا تنتهي في سبيل تحصيل أية مكتسبات تساهم في نيل فضاء أكثر رحابة، أكثر ثراءً وتنوّعاً، أكثر قبولاً للرأي المغاير. لكن الحقيقة الموجعة أنه في ظل الأحكام العرفية، كان السقف والفضاء الإعلامي أوسع بكثيرٍ مما عليه الحال الان مع تفعيل الحياة السياسية والحزبية.
أما أحدث صيحات التقييد للحريات الإعلامية، فهو ما خرج من جراب السلطة الرسمية ضمن شكل سمّي بنظام تنظيم الإعلام الرقمي، وهذا يتطلب مقالةً مكتملة بذاتها. ولنا عودة.
الكاتب من الأردن