عندما تُستباح الأرض والإنسان “في عمق المشهد”

بقلم: العقيد المتقاعد ليث المجالي…..

 

في زمنٍ يفيض بالتحليلات السياسية والتأويلات الاستراتيجية، ويزدحم بالقراءات المتناقضة حول مستقبل المنطقة، تتزاحم على المنابر مئات الآراء والتوقعات والنبوءات حول ما سيحدث غدًا. لكن وسط هذا الضجيج الفكري والسياسي، يغيب سؤال جوهري وبسيط في آنٍ واحد: ماذا عن الأرض؟ وماذا عن الإنسان؟

وفي زمنٍ تتقدم فيه حسابات القوة على قيم العدالة، يصبح الصوت الذي يعيد الاعتبار للإنسان والأرض صوتًا ضروريًا، لأنه يذكّر العالم بأن السياسة بلا أخلاق ليست سوى إدارة للصراع، لا طريقًا لصناعة السلام.

لقد انشغل الكثيرون بتفكيك المشهد السياسي من زاوية المصالح والتحالفات وموازين القوى، حتى كاد الخطاب العام يبتعد عن جوهر القضية التي قامت عليها الحضارات منذ فجر التاريخ: أن الإنسان خُلق ليعمر الأرض، لا ليهدمها، وأن الأرض وُجدت لتكون موطنًا للحياة، لا ساحةً للصراع الدائم.
فالرسالات السماوية، بمختلف مضامينها، لم تأتِ لتبرير الصراع ولا لتكريس الظلم، بل جاءت لتؤسس لمعنى أعمق: عمارة الأرض وصون كرامة الإنسان. غير أن ما تشهده منطقتنا اليوم من حروبٍ ودمارٍ واتساعٍ في دوائر الظلم، يعكس حالة من الانفصال المؤلم بين الخطاب الإنساني المعلن، والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض.

إن استباحة الأرض لا تعني فقط احتلالها أو تدميرها، بل تعني في عمقها كسر العلاقة الأخلاقية بين الإنسان ومحيطه. وحين يُستباح الإنسان – قتلاً أو تهجيرًا أو إذلالًا – فإننا لا نشهد مجرد أزمة سياسية عابرة، بل انهيارًا في منظومة القيم التي يفترض أن تحكم العالم.
وفي خضم هذه العواصف التي تضرب المنطقة، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الأخلاقي الذي يسبق السياسة نفسها: ما قيمة أي مشروع سياسي أو إقليمي إذا كان الإنسان هو الضحية الأولى فيه؟
إن التاريخ يعلمنا أن الأمم قد تنهض من الهزائم، وأن الدول قد تعيد بناء ما دمرته الحروب، لكن الخسارة الحقيقية تبدأ عندما يفقد الإنسان قيمته في معادلات القوة.
ولهذا، فإن الحديث عن مستقبل المنطقة، أو عن نظام إقليمي جديد، أو عن خرائط سياسية قادمة، لا يمكن أن يكون ذا معنى حقيقي ما لم ينطلق من قاعدة أساسية: أن الأرض يجب أن تُصان، وأن الإنسان يجب أن يُحمى.
فبدون ذلك، ستبقى كل التحليلات مجرد قراءة للصراع، لا طريقًا للخروج منه.

#في_عمق_المشهد
#ليث_المجالي
#الأرض_والإنسان
#قضايا_المنطقة
#السياسة_والأخلاق
#الشرق_الأوسط
#العدالة_والسلام
#تحليل_سياسي
#قضايا_إنسانية

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا