فخ التمكين: صراع المرأة بين الاستقلال ورضا المجتمع
د. منى النحلاوي …..
ليست كل امرأة عاملة امرأة مُتحررة، وأحيانًا لا يكون التمكين حلًا بقدر ما يكون بداية لصراع جديد غير مرئي.
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن المشاركة الاقتصادية للنساء تبلغ عالميًا نحو 48% إلى 49%، بينما لا تتجاوز في العالم العربي 20%، في حين تقارب مشاركة الرجال 73%، وهو ما يعكس فجوة جندرية واضحة في سوق العمل.
لكن خلف هذه الأرقام، تبرز إشكالية أعمق تتجاوز المؤشرات الاقتصادية، يمكن وصفها بـ”اليتم الاجتماعي”، حيث تجد المرأة نفسها معلّقة بين رغبتها في الاستقلال وخوفها من رفض المجتمع.
فالتمكين في صورته السطحية يمنح المرأة عملًا ودخلًا، لكنه لا يضمن بالضرورة شعورًا بالأمان أو القبول الاجتماعي. بل قد يتحول في بعض الحالات إلى مساحة صراع داخلي بين ذات تسعى للاستقلال، وسلطة رمزية يمثلها ما يمكن تسميته بـ”الأب المجتمعي”.
هذا “الأب الرمزي” لا يظهر في شخص محدد، بل يتجلى في بنية اجتماعية غير مرئية، تتسلل عبر التعليقات اليومية والنظرات والأحكام المسبقة. عبارات مثل: “تركت أولادها”، “أنانية”، أو “لا تهتم إلا بنفسها”، تعكس هذا الصوت الاجتماعي الذي يراقب ويقيّم ويعيد إنتاج نفسه باستمرار.
وتكمن المفارقة في أن هذه الأحكام لا تقتصر على حالات الفشل، بل تمتد أحيانًا إلى لحظات النجاح، وكأن الاستقلال ذاته يحتاج دائمًا إلى تبرير اجتماعي.
من هذا المنطلق، لا يمكن اختزال التمكين في البعد الاقتصادي فقط، بل يجب النظر إليه كمنظومة متكاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، بحيث لا تكون علاقة صراع دائم، بل علاقة توازن وحقوق مستقرة.
وتشير تجارب دولية إلى أن كثيرًا من برامج التمكين تركز على الجوانب الاقتصادية مثل العمل والدخل والإنتاج، بينما تتجاهل البعد الاجتماعي والنفسي، وهو ما قد يجعل أثر التمكين غير مكتمل أو هشًا في بعض السياقات.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أهمية التمكين الاقتصادي، إذ يسهم في تعزيز الاستقلال المالي للمرأة وتقليل مستويات الهشاشة. كما تشير تقارير دولية إلى أن تقليص الفجوة بين الجنسين في سوق العمل قد يرفع الناتج المحلي في الاقتصادات النامية بنسبة تتراوح بين 20% و25%، إضافة إلى دور النساء في تعزيز الاستثمار في التعليم والصحة داخل الأسرة.
وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل نمنح المرأة تمكينًا حقيقيًا… أم نعيد إنتاج قيود جديدة بأشكال مختلفة؟
خاتمة: التمكين لا يُقاس بما تملكه المرأة، بل بمدى قدرتها على أن تكون دون خوف من الحكم عليها.
باحثه في القضايا الاجتماعية
الكاتبة أردنية
تقيم في الولايات المتحدة الأمريكية