جسر عبدون… وزارة الإجابات النهائية!
بقلم العميد المتقاعد هاشم المجالي…………
في بلادٍ تتكاثر فيها الأسئلة كما يتكاثر الغبار في أيام الخماسين، اكتشف شبابنا أخيرًا أن الحكومة قصّرت علينا الطريق، فبدل أن نبحث عن الإجابات في الوزارات والمؤسسات والدواوين، يكفينا أن نزور جسر عبدون؛ فهناك، كما يبدو، تُحلّ المسائل الكبرى التي عجزت عنها اللجان والندوات والخطط الخمسية.
يسألك الشاب: أين أعمل بعد أن تخرجت من الجامعة؟
فنقول له: لا تتعب نفسك بالبحث في الإعلانات الوظيفية، مرّ مرورًا سريعًا على الجسر… فهناك تختصر الدولة عليك سنوات الانتظار!
ويسألك آخر: كيف أتزوج وراتبي أقل من فاتورة كهرباء بيتٍ متوسط؟
فنقول له: لا تقلق، فاقتصادنا عبقري؛ جعل الراتب يعيش يومين والأحلام تعيش دقيقتين، وما بقي من العمر فليتكفل به الجسر!
ويسألك طالب التوجيهي: هل أدرس على النظام القديم أم الجديد أم النظام الذي سيولد مساء اليوم؟
فنقول له: لا تشغل بالك كثيرًا، فالتعليم عندنا يشبه الطقس؛ يتغير بين الصباح والمساء، أما النتيجة النهائية فمعلّقة دائمًا على… مزاج القرارات.
أما خريجو الجامعات فهؤلاء قصة أخرى.
الدولة علمتهم أربع سنوات أو خمسًا كيف يكتبون الأبحاث ويحللون النظريات، لكنها نسيت أن تعلمهم مهارة واحدة بسيطة: كيف يجدون وظيفة!
فإذا سألوا عن العمل قيل لهم:
اصبروا.
وإذا صبروا قيل لهم:
انتظروا.
وإذا انتظروا قيل لهم:
الأوضاع صعبة عالميًا… انظروا إلى حرب روسيا و أوكرانيا!
سبحان الله!
حتى رغيف الخبز في عمّان صار ينتظر نتائج المعارك في أوروبا قبل أن يحدد سعره.
ثم يأتيك خبر مفرح:
الحد الأدنى للأجور ارتفع!
فتفرح لحظة… ثم تكتشف أن الأسعار سبقت القرار بخمس سنوات ضوئية، وأن راتب 290 دينارًا يستطيع أن يفتح بيتًا… بشرط أن يكون البيت لعائلة من النمل لا تأكل ولا تشرب ولا تدفع فواتير.
وهكذا يعيش الشباب بين ثلاثة جسور:
جسر البطالة،
وجسر الغلاء،
وجسر القرارات المفاجئة.
لكن أشهرها جميعًا يظل جسر عبدون، الذي تحول في خيال بعض اليائسين إلى ما يشبه وزارة الإجابات النهائية؛ حيث تنتهي الأسئلة حين يعجز الواقع عن الرد عليها.
ومع ذلك، فالمشكلة ليست في الجسر المسكين، فهو لم يُبنَ ليحمل أحزان الناس، بل ليحمل سياراتهم فقط.
المشكلة في زمنٍ جعل الشاب يشعر أن الطريق إلى المستقبل أضيق من حارة قديمة، بينما الطريق إلى اليأس واسع كالأوتوستراد.
ولعل أعجب ما في الأمر أن المسؤولين كلما سمعوا بهذه الحكايات قالوا مطمئنين:
“الوضع تحت السيطرة.”
نعم… تحت السيطرة فعلًا.
لكن السؤال الذي لم نجد له جوابًا بعد هو:
تحت سيطرة من؟
الكاتب من الأردن