تركيا: التسليم بنظرية القتل بـ«الأدلة» والتحقيقات تتمحور حول «الجثمان» والوفود السعودية تبحث عن «مخرج للأزمة»

 

وهج 24 : بعد مرور 12يوماً على اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، تتعزز بشكل شبه قطعي نظرية تعذيبه وقتله داخل القنصلية وذلك عقب التأكيدات التركية -غير الرسمية – بامتلاكها أدلة قاطعة على ذلك ومنها مقاطع صوتية وتسجيلات مصورة تم بالفعل إطلاع جهات دولية عليها.
ومع التسليم المتزايد بهذه النظرية، تتركز التحقيقات حالياً حول مكان جثمان خاشقجي، وما إن جرى دفنه داخل القنصلية، أو محيط منزل القنصل القريب من القنصلية، أو في منطقة ثالثة أخرى بالجانب الآسيوي بإسطنبول تشتبه السلطات التركية فيها.
وفي هذا السياق، تبدو مهمة الوفود السعودية المتزايدة إلى تركيا لا تتعلق بمبدأ الكشف عن مصير خاشقجي، وإنما محاولة التوصل إلى تفاهمات سياسية وأمنية تساعد المملكة في الوصول إلى “مخرج” للأزمة التي أخذت بعداً دولياً هائلاً، ومنع لجوء السلطات التركية لتقديم ما لديها من أدلة أو العثور على الجثمان، الأمر الذي سيضع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أصعب تحدي له منذ تصدره مشهد الحكم في السعودية.
منذ الأيام الأولى لاختفاء خاشقجي، تسربت الكثير من الأنباء عن امتلاك الجهات الأمنية التركية أدلة لا سيما مقاطع فيديو تثبت مقتله داخل القنصلية عقب وقت قصير من دخوله إليها، لكن بقيت هذه النظرية بعيدة عن المنطق وسط تساؤلات حول آلية الوصول إلى هكذا تسجيلات من داخل أروقة القنصلية.
ولكن في وقت لاحق، تحدث مصدر تركي خاص رفض الكشف عن اسمه لـ”القدس العربي” عن أن السلطات التركية تمتلك بالفعل أدلة قاطعة على مقتل خاشقجي منذ اليوم، لافتاً إلى أن هذه الأدلة تتعلق بتسجيلات صوتية يمكن من خلالها فهم ما جرى داخل القنصلية بشكل كامل. وبينما لم يكشف عن طريقة الوصول إلى هذه التسجيلات، ألمح إلى أن ذلك ربما جرى من خلال التنصت أو اختراق اتصالات باستخدام تقنيات متقدمة.
وفي وقت لاحق، ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” نقلا عن مسؤولين أمريكيين وأتراك لم تسمهم، أن تركيا أبلغت مسؤولين أمريكيين بأن لديها تسجيلات صوتية ومصورة تثبت مقتل خاشقجي داخل القنصلية، وهو ما يتماشى مع ما ذكرته العديد من الصحف الغربية حول إطلاع تركيا واشنطن ودولا أوروبية على دلائل تثبت مقتل خاشقجي.
والجمعة أيضاً قالت شبكة “سي إن إن” الأمريكية، إن لدى تركيا تسجيلات صوتية ومرئية “صادمة”، تؤيد رواية مقتل خاشقجي. ونقلت الشبكة الإخبارية عن مصدر مطلع على التحقيقات، أن وكالة استخبارات غربية اطلعت على أدلة تظهر وقوع عراك داخل القنصلية، بعد دخوله إليها، كما أشار المصدر إلى وجود “أدلة حول لحظة مقتل خاشقجي”، ووصفت هذه الأدلة بأنها “صادمة ومقززة”.
وبعد تقارير عن إمكانية أن تكون السلطات التركية قد حصلت على إثباتات مقتله من خلال ساعة “آبل ووتش” التي كان يرتديها خاشقجي عند دخوله القنصلية والتي كانت مربوطة بهاتفه الذي تركه مع خطيبته بالخارج، استبعد خبراء تقنيون هذا الاحتمال لاعتبارات تقنية تتعلق بصعوبة الحصول على تسجيلات صوتية من خلالها وفتح كلمة سر الهاتف الموصولة به وهو ما يتطلب الحصول على دعم تقني من الشركة المصنعة للهاتف والساعة.
ومع كل هذه المؤشرات إلا أن كبار المسؤولين الأتراك ما زالوا يتحدثون عن “اختفاء” خاشقجي، ويتجنبون أي إشارات رسمية تؤكد مقتله، وهو ما يجعل من الحديث عن مقتله غير قطعي إلى حين الإعلان رسمياً عن ذلك.

الحلقة المفقودة

يكشف سير التحقيقات إلى جانب المعلومات والتسريبات المتوفرة حتى الآن إلى أن الجانب التركي وعلى الرغم من أنه يمتلك أدلة مهمة عما جرى داخل القنصلية، إلا أنه يعاني من حلقة مفقودة تتعلق بدرجة أساسية بطريقة التخلص من جثمان خاشقجي، وامتلاك أدلة أخرى ملموسة يمكن تقديمها لإثبات مقتله.
وفي هذا الإطار تضع السلطات التركية عدة احتمالات: أبرزها أن يكون قد تم بالفعل نقل جثمان خاشجقي لخارج تركيا مع الفريق الذي غادر البلاد يوم العملية، أو أنه تم إخفاء جثته داخل القنصلية، أو منزل القنصل، إلى جانب احتمال التخلص منها في إحدى مناطق إسطنبول لا سيما وأن إحدى سيارات القنصلية المشتبه بقيامها بذلك غابت عن كاميرات المراقبة أكثر من مرة.
ولفك هذا اللغز، طلبت تركيا من السعودية رسمياً تفتيش القنصلية ومنزل القنصل، ورغم موافقة المملكة على تفتيش القنصلية، إلا أنها تراجعت لاحقاً ووضعت شروطا تتعلق بالسماح بالتفتيش التقليدي الخارجي دون استخدام مواد كيميائية متقدمة يمكنها كشف آثار الدماء حتى لو جرت عليها عمليات محو آثار متقدمة، وهو ما زاد الشكوك حول خشية السعودية من عثور فرق التفتيش التركية على أدلة تدينها، كما أنها لم تصدر اذناً بعد بتفتيش منزل القنصل، وهو ما اعتبره المسؤولون الأتراك مماطلة وإعاقة لسير التحقيق في القضية التي أخذت منحاً قانونياً وجنائياً بعد تعيين مدعي عام جمهوري لمتابعتها.
ورغم أن الوفود السعودية التي وصلت تركيا منذ وقوع حادثة اختفاء خاشقجي جاءت تحت بند “المشاركة في التحقيقات” إلا أن المشهد العام لا يوحي بذلك، حيث يكفي أن تسمح السلطات السعودية بتفتيش القنصلية ومنزل القنصل إلى جانب تسجيل كاميرات المراقبة داخل مبنى القنصلية لتتكشف كافة خيوط القضية بالأدلة، حسب ما تجمع وسائل الإعلام التركية.
لكن الأمر لا يبدو كذلك، حيث يتوقع أن السعودية التي تعلم جيداً ما حصل داخل مبنى قنصليتها، تخشى بقوة أن تحصل تركيا على دليل قطعي حال تفتيشها القنصلية أو منزل القنصل، أو أنها ربما تتجه لنشر التسجيلات التي بحوزتها، وهو ما لا ترغب المملكة في الوصول إليه.
ويعتقد أن الوفود السعودية التي وصل آخرها الجمعة، ويفترض أن يصل بعده وفد جديد للمشاركة ضمن “فريق عمل مشترك جرى الاتفاق على تشكيله بين أنقرة والرياض” تعمل جميعها على التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة، كون الأمر لا يتعلق بتحقيقات جنائية بقدر ما يتعلق باحتواء أزمة يمكن تكون أبعادها أخطر بكثير مما هي عليه الآن.
وتركز السعودية على إمكانية التوصل إلى “مخرج للأزمة” عبر اقناع تركيا بالتوافق على رواية مشتركة يمكن أن يكون ضحيتها القنصل وفريق الاغتيال الذي نفذ المهمة وعاد للسعودية أو أطراف سعودية أخرى، على أن لا يظهر الأمر أن ما حصل بتوجيه من الدولة السعودية بشكل مباشر، أو أي سيناريو آخر يسمح بالإعلان عن رواية لباقي خفايا القضية بطريقة “مرضية للسعودية” من باب “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” وهو ما ستكشفه الأيام المقبلة التي ستحمل اتفاقاً سعودياً تركياً لتفادي أزمة كبرى أو الدخول عملياً في هذه الأزمة التي حرص الجانبان على تفاديها حتى اليوم.

المصدر : القدس العربي

قد يعجبك ايضا