“إندبندنت”: حظر النفط السعودي عن الغرب اليوم لن يكون مؤثرا كما في عام 73
وهج 24 : ناقش بن شو في صحيفة “إندبندنت” العقوبات على السعودية في أعقاب جريمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول.
وتساءل قائلا: ما هي أهمية السعودية للاقتصاد العالمي؟ وهل تمسك الرياض بمصير الاقتصاد العالمي بيديها؟ وأضاف أن الأسئلة ليست أكاديمية في ظلالغموض العميق الذي يحيط بمصير جمال خاشقجي وكيف ستتكشف في الأيام المقبلة والطريقة التي سترد فيها الحكومات الغربية حالة ظهرت أدلة أن مقتل الصحافي لم يكن “خطأ” ارتكبته عناصر “مارقة” من الأمن السعودي بل وبأمر من ولي العهد القوي محمد بن سلمان.
وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “بعواقب خطيرة” فيما هددت الرياض بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام العقوبات الغربية أو أية أشكال من العقاب. وأصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانا قالت فيه:” تؤكد المملكة أنها سترد على أية إجراء ضدها بإجراءات أشد” مشيرة إلى الدور الاقتصادي الذي تلعبه المملكة في الاقتصاد العالمي. ولم يذكر البيان النفط، ولكنها ليست بحاجة لذكره.
فقد كان حظر تصدير النفط من دول الخليج إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا واليابان والدول التي دعمت إسرائيل في حرب عام 1973 واحدا من أكبر الهزات الاقتصادية للنظام الاقتصادي العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وظلت ذكريات تلك الفترة محفورة في ذاكرة السياسيين والموظفين المدنيين من أعمار محددة ولكنها حظيت بذاكرة فولكلورية في ذهنية الجيل الحالي. فقد ضاعف الحظر السعودي اسعار النفط إلى أربعة أضعاف وأدى إلى تضخم في الاستهلاك وأدى إلى ركود إقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا. وهناك من يناقش أن حظر النفط أدى إلى تدمير مصداقية أحزاب الوسط – اليسارية وعبد الطريق أمام الثورة النيوليبرالية في العقد التالي.
وبناء على هذا الفهم فهل سنعود إلى سنوات السبعينات؟ وما هي قدرة السعودية على إحداث تشويش سياسي واقتصادي لو قامت بحظر تصدير النفط اليوم؟ ويجيب أن أي قرار من الرياض بهذا الاتجاه سيكون مؤلما ولكنه أقل ألما من الماضي. والسبب أن سوق الطاقة العالمي قد تطور بشكل مهم في النصف الأخير من القرن. ولدى الدول الغربية كميات كبيرة من احتياطات النفط وطرق للحصول عليه. وكشفت السنوات الماضية عن تصميم السوق في مواجهة الفرملة الحادة والتحولات في الطلب. فقد دفع ارتفاع سعر برميل النفط عام 2010 إلى 125 دولارا للبرميل إلى البحث عن مصادر جديدة ومحلية مثل التنقيب عن الزيت الصخري في الولايات المتحدة وتطوير قطاع الغاز. وتطورت الصناعة بطريقة أصبح يشكل فيها الناتج المحلي اليوم نسبة 90% من الاستهلاك الأمريكي. وقبل عقد كانت الولايات المتحدة تستورد 10 ملايين والمنتجات البترولية. وفي عام 1973 كانت تستورد 6.4 مليون برميل أما اليوم فقد انخفضت إلى 2.3 مليون برميل فقط. وبالتأكيد فقد تفوقت الولايات المتحدة هذا العام على السعودية كمنتج للنفط الخام في العالم، وكل هذا بسبب الزيت الصخري. وعندما انخفض سعر برميل النفط إلى 30 دولارا في عام 2016 توقفت السعودية عن دعم الأسعار العالمية من خلال تعديل انتاجها لوقت طويل على أمل أن تؤدي الأسعار المنخفضة منتجي الزيت الصخري للإفلاس بسبب الديون المتراكمة عليهم، وعلى المدى البعيد.
وكانت استراتيجية فاشلة لأن انتاج النفط الإحفوري ظل واقفا على قدميه. صحيح أن الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا لا تزال تعتمد على الطاقة المستوردة وهي عرضة بالتالي لتداعيات أي صعود مفاجئ لأسعار النفط. ولكن حصة الدول الأوروبية من الطاقة المتجددة كمصدر للاستهلاك في صعود حيث وصلت إلى 17% في عام 2016. ومن هنا فزيادة في أسعار النفط قد يؤدي إلى التحول من الوقود الأحفوري ( كما أدى حظر عام 1973 الدول الغربية لاتخاذ إجراءات لتخفيف الاستهلاك مثل تحديد إدارة نيكسون السرعة على الطرق السريعة بخمسين ميل في الساعة). ويعلق شو إن هذه الإجراءات قد تكون في صالح الغرب على المدى المتوسط لكنها لن تلعب في صالح السعودية. وشهدت أسعار النفط ارتفاعا منذ منتصف العام الماضي حيث وصلت إلى 80 دولارا للبرميل. واقترح معلق سعودي إن بلاده قد تخفض انتاجها بنسبة 10% مما سيؤدي لارتفاع أسعاره إلى 100 دولار وربما 400 دولار. ولكن هذا الكلام والتلويح بالسيف لم يكن حاضرا في مؤتمر “دافوس الصحراء” لجذب الاستثمارات. ومن تحدث معهم من رجال الأعمال السعوديين في الرياض الأسبوع الماضي حريصون للحفاظ على التحالف مع الغرب وينتظرون تبدد الأزمة الحالية. والسبب واضح لأن أي تخفيض كبير للإنتاج سيضر بخطط ولي العهد المتعلقة برؤية 2030 ولن يتحقق حلمه ببناء مدينة المستقبل التكنولوجية التي تكلف 500 مليار دولار بدون الاعتماد على الخبرات الغربية، بما في ذلك المعرفة والاستثمارات المالية. ولن تصبح السعودي المقصد السياحي لو ساءت العلاقات مع الغرب، فالسعودية هي الخاسر في أي مواجهة مع الغرب. صحيح أن على الدول الغربية التعامل بحذر مع السعودية فيما يتعلق بالتعاون على صعيد مكافحة الإرهاب والاعتبارات الجيوسياسية واستقرار المنطقة لكن لا تكرار لحظر كما حدث في السبعينات من القرن الماضي، مهما كانت ذاكرة الجيل الذي عاشه.
المصدر : القدس العربي