الجودة والاعتماد الأكاديمي بين الواقع والتقارير الورقية التي تهمل الاثر التنموي

د. أحمد العرامي   …..

مقارنة بين الجامعات السعودية والايرانية

تتجلى إشكالية الجودة والاعتماد الأكاديمي في الفجوة العميقة بين محتوى التقارير الورقية لضمان الجودة وما يعكسه الميدان العملي من مخرجات حقيقية قادرة على إحداث تنمية مستدامة، حيث أصبحت الوثائق البيروقراطية في كثير من الأحيان غاية في حد ذاتها بدلاً من كونها وسيلة لتطوير الأداء الأكاديمي. وفي هذا السياق، تبرز المقارنة بين مسار الجامعات السعودية ونظيراتها الإيرانية كنموذج يوضح التباين في فلسفة إدارة التعليم العالي وتوجيه موارده ارتباطاً بالمؤشرات العالمية والاحتياجات المحلية والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بكل منهما.

تحظى الجامعات السعودية بدعم مالي هائل تستمد قوته من رؤية تسعى لوضع مؤسساتها في مصاف الجامعات العالمية المرموقة عبر استثمارات ضخمة . وقد أثمر هذا التمويل عن تصدر العديد من الصروح الأكاديمية السعودية مراتب متقدمة جداً في التصنيفات الدولية، مما يعكس نجاحاً كبيراً في استيفاء المتطلبات النمطية العالمية للجودة. وتعتمد هذه المؤسسات في صعودها المتسارع على استقطاب كفاءات بحثية عالمية من كل دول العالم وتوفير بنية تحتية حديثة ومختبرات مستوردة مجهزة بأحدث التقنيات، وهو ما ينعكس على حجم النشر العلمي وغزارة الاستشهادات المرجعية. وفي الجانب العسكري والفيزيائي، برزت الجامعات السعودية نظريا كحاضنات لتطوير التكنولوجيا المتقدمة والفيزياء ، حيث تركز مؤسسات مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على أبحاث فيزياء المواد والأنظمة الكهرومغناطيسية التي تخدم أنظمة الرادار، مستفيدة من قدرتها على جلب أحدث المسرعات النووية والمجاهر الإلكترونية التي تتيح للباحثين إجراء تجارب فيزيائية متقدمة تساهم في تطوير أنظمة الصواريخ الاعتراضية والذكاء الاصطناعي العسكري، مما يضع المخرجات الأكاديمية السعودية في قلب منظومة سلاح تتسم بالدقة التكنولوجية العالية والمعايير العالمية لكن لم يثبت اي مخرج عملي حتى الان.

وعلى الجانب الآخر، تعمل الجامعات الإيرانية ضمن بيئة اقتصادية بالغة التعقيد فرضتها العقوبات الأمريكية التي حدت من فرص التعاون الأكاديمي واستيراد التجهيزات المخبرية المتقدمة. وتنعكس هذه العزلة بوضوح على حضورها في بعض التصنيفات العالمية التي تعتمد بشكل كبير على مؤشرات التدويل، مما يجعل ترتيبها يبدو أقل بريقاً عند المقارنة السطحية بالأرقام. ومع ذلك، استطاعت هذه الجامعات تحقيق تقدم لافت في الفيزياء النووية وفيزياء البلازما وهندسة الصواريخ تحت ضغوط الحاجة الأمنية، حيث تحولت الأقسام الفيزيائية في جامعة شريف للتكنولوجيا وجامعة طهران إلى مراكز ابتكار لتطوير تكنولوجيا الدفع الصاروخي والوقود الصلب. ويظهر التباين هنا في قدرة الجامعات الإيرانية على ابتكار حلول فيزيائية محلية الصنع للتعويض عن نقص التقنيات الخارجية، مما جعلها تحقق اكتفاءً ذاتياً في إنتاج أجهزة الطرد المركزي وتطوير البرامج الفضائية التي أطلقت أقماراً صناعية للرصد العسكري، وهو ما يعكس نموذجاً أكاديمياً يضع الفيزياء في خدمة الردع، حيث لا يقاس النجاح بعدد الأوراق البحثية فحسب، بل بمدى نجاح تلك النظريات في التحول إلى محركات نفاثة أو رؤوس حربية قادرة على العمل في ظروف قاسية.

تكشف هذه المقارنة أن مفهوم الجودة الأكاديمية يتجاوز حدود استيفاء معايير التصنيفات الدولية وملء استمارات الاعتماد المؤسسي ببيانات منمقة. التفوق المالي واللوجستي يضمن صدارة التقارير والمكانة الاعتبارية الدولية، بينما تراهن الجامعات الإيرانية على الابتكار لخلق توازن قوة يعتمد على التصنيع المحلي المستقل. وتبقى القيمة الجوهرية للتعليم العالي مرهونة بقدرته على تقديم حلول عملية تخدم القضايا السيادية، وتترجم النظريات العلمية إلى واقع ملموس يعزز من مناعة المجتمعات وقدرتها على الصمود والابتكار. إن الاعتماد الأكاديمي الحقيقي يمنحه المجتمع وقطاعات الإنتاج التي تستفيد من عقول الخريجين وابتكاراتهم، وهي شهادة واقعية تسبق في أهميتها تلك الشهادات التي تمنحها الهيئات الدولية بناءً على وثائق ورقية قد تغفل أحياناً قياس الأثر التنموي الحقيقي والمستدام على أرض الواقع.

الكاتب من اليمن

قد يعجبك ايضا