فادي السمردلي يكتب: صوت الضمير في زمن الحروب قراءة في رسالة البابا ليو الرابع عشر

بقلم فادي زواد السمردلي  …..

*مركز الخالد لدراسات الفقر والتنمية المستدامة والأبحاث*

في زمن تتسارع فيه الأخبار عن الحروب أكثر مما تتسارع فيه أخبار السلام، يظهر صوت يدعو إلى التوقف والتأمل وكأنه قادم من مكان بعيد عن ضجيج العالم. خطاب عيد الفصح 2026 الذي قدّمه البابا ليو الرابع عشر لم يكن مجرد كلمة دينية تُلقى في مناسبة احتفالية، بل بدا أقرب إلى نداء ضمير يخاطب الإنسان في جوهره، قبل أن يخاطب السياسي أو صاحب القرار.

ما يميز هذا الخطاب أنه لم يتعامل مع الحرب كحدث سياسي فقط، بل كجرح إنساني مفتوح فبدل أن يغرق في تفاصيل النزاعات وأطرافها، اتجه مباشرة إلى الإنسان الذي يعيش تحت وطأتها الأطفال الذين يفقدون منازلهم، العائلات التي تُجبر على النزوح، والأشخاص الذين يستيقظون كل يوم على الخوف من القادم فهذا التركيز على الجانب الإنساني يجعل الرسالة أقرب إلى القلب، لأنها تنقل الحرب من كونها أرقامًا في الأخبار إلى واقع يومي مليء بالألم.

وفي قلب الخطاب، برزت فكرة المسؤولية الأخلاقية لصانعي القرار. فالحرب، كما يوحي الخطاب، ليست مجرد نتيجة سياسية معقدة، بل هي أيضًا سلسلة من القرارات التي يتحمل أصحابها مسؤولية أخلاقية مباشرة وهنا لا يتحدث البابا بلغة الاتهام بقدر ما يتحدث بلغة التذكير كل قرار بإشعال حرب يعني تغيير حياة آلاف البشر، وربما إنهاء حياة كثيرين منهم فهذه الزاوية الأخلاقية تجعل الخطاب أكثر عمقًا، لأنه ينقل النقاش من مستوى القوة إلى مستوى الضمير.

ومن أهم الرسائل التي حملها الخطاب أيضًا الدعوة إلى الحوار بدل العنف كنه لم يقدم الحوار كخيار سهل أو مثالي، بل كطريق صعب يتطلب شجاعة حقيقية فالتفاوض، بحسب روح الخطاب، ليس ضعفًا كما قد يُظن، بل هو شكل أعلى من القوة، لأنه يتطلب السيطرة على الغضب والرغبة في الانتقام، والقدرة على رؤية الآخر كإنسان وليس كخصم فقط ففي هذا السياق، يصبح السلام فعل إرادة وليس مجرد نتيجة ظروف.

كما حذّر الخطاب من خطر الاعتياد على مشاهد العنف فهذه النقطة تبدو بسيطة لكنها في الواقع خطيرة جدًا فمع كثرة الحروب والأزمات، قد يبدأ الإنسان تدريجيًا بفقدان حساسيته تجاه الألم الإنساني، وكأن ما يحدث في العالم يصبح مشهدًا عاديًا لا يثير الانتباه فهذه الحالة من “التبلد العاطفي” هي ما يحذر منه الخطاب، لأنها تقتل التعاطف، والتعاطف هو أساس أي رغبة حقيقية في تحقيق السلام.

ورغم ثقل الموضوع، فإن الخطاب لم يخلُ من بصيص أمل فجوهر رسالة عيد الفصح يقوم على فكرة التجدد والانبعاث بعد الألم، ولذلك فإن الرسالة لم تقف عند حدود النقد أو التحذير، بل فتحت نافذة نحو إمكانية التغيير. فالعالم، رغم ما فيه من صراعات، لا يزال قادرًا على اختيار طريق مختلف، طريق يقوم على المصالحة بدل المواجهة، وعلى الحياة بدل الدمار.

وفي النهاية، يمكن القول إن خطاب البابا ليو الرابع عشر لم يكن مجرد موقف ديني، بل كان تأملًا عميقًا في معنى الإنسان نفسه في زمن مضطرب فهذا الخطاب يضع العالم أمام مرآة صادقة، ويطرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره لكنه عميق في جوهره: هل نريد أن نستمر في إعادة إنتاج الحروب، أم أننا قادرون حقًا على كسر هذه الدائرة والبدء من جديد؟

الكاتب من الأردن

قد يعجبك ايضا